فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 677

إن الله قد حكم بين العباد.. فلا مجال لمراجعة في الحكم، ولا مجال لتغيير فيه أو تعديل. وقد قضي الأمر، وما من أحد من العباد يخفف شيئًا من حكم الله.

وحين أدرك هؤلاء وهؤلاء أن لا ملجأ من الله إلا إليه، اتجه هؤلاء وهؤلاء لخزنة جهنم في ذلة تعم الجميع، وفي ضراعة تسوي هؤلاء بهؤلاء:

وقال الذين في النار لخزنة جهنم: ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب..

إنهم يستشفعون حراس جهنم، ليدعوا ربهم. في رجاء يكشف عن شدة البلاء: ادعوا ربكم يخفف عنا يومًا من العذاب.. يومًا. يومًا فقط. يومًا يلقطون فيه أنفاسهم ويستريحون. فيوم واحد يستحق الشفاعة واللهفة والدعاء.

ولكن خزنة جهنم لا يستجيبون لهذه الضراعة البائسة الذليلة الملهوفة. فهم يعرفون الأصول. ويعرفون سنة الله، ويعرفون أن الأوان قد فات. وهم لهذا يزيدون المعذبين عذابًا بتأنيبهم وتذكيرهم بسبب هذا العذاب:

وقالوا: أو لم تك تأتيكم رسلكم بالبينات؟.. قالوا: بلى.

وفي السؤال وفي جوابه ما يغني عن كل حوار. وعندئذ نفض الخزنة أيديهم منهم، وأسلموهم إلى اليأس مع السخرية والاستهتار:

قالوا: فادعوا.. إن كان الدعاء يغير من حالكم شيئًا، فتولوا أنتم الدعاء.

وتعقب الآية قبل تمامها على هذا الدعاء: وما دعاء الكافرين إلا في ضلال..

لا يبلغ. ولا يصل. ولا ينتهي إلى جواب. إنما هو الإهمال والازدراء للكبراء والضعفاء سواء.

وكذلك يقول الله تعالى في سورة إبراهيم: [وَبَرَزُوا لِلّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ {21} ]

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق الإعجاز في التصوير والأداء والتنسيق. فلقد كنا منذ لحظة مع الجبارين المعاندين. ولقد خاب كل جبار عنيد. وكانت صورته في جهنم تخايل له من ورائه وهو بعد في الدنيا. فالآن نجدهم هناك، حيث يتابع السياق خطواته بالرواية الكبرى - رواية البشرية ورسلها - في المشهد الأخير. وهو مشهد من أعجب مشاهد القيامة وأحفلها بالحركة والانفعال والحوار بين الضعفاء والمستكبرين. وبين الشيطان والجميع:

وبرزوا لله جميعا - فقال الضعفاء للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعا. فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء؟ قالوا؛ لو هدانا الله لهديناكم. سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص. وقال الشيطان لما قضي الأمر: إن الله وعدكم وعد الحق، ووعدتكم فأخلفتكم؛ وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي. فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي. إني كفرت بما أشركتمون من قبل. إن الظالمين لهم عذاب أليم.

وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها بإذن ربهم، تحيتهم فيها سلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت