وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ سُؤَالِ الْعُلَمَاءِ وَاجِبًا، وَامْتِثَالِ فَتْوَاهُمْ لَازِمًا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الْأَمْرِ هُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا، وَبِهِ أَخَذَ الْجَصَّاصُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ قَالَ الْجَصَّاصُ: وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَمْرًا بِطَاعَةِ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ وَهْم أُمَرَاءُ السَّرَايَا وَالْعُلَمَاءُ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا، أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَلِأَنَّ سُؤَالَهُمْ وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْخَلْقِ، وَجَوَابُهُمْ لَازِمٌ، وَامْتِثَالُ فَتْوَاهُمْ وَاجِبٌ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ بِأُولِي الْأَمْرِ مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، هَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: هُمْ الْعُلَمَاءُ، وَقِيلَ: الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ.
قال تعالى في سورة هود {وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ 113}
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
لا تستندوا ولا تطمئنوا إلى الذين ظلموا. إلى الجبارين الطغاة الظالمين، أصحاب القوة في الأرض، الذين يقهرون العباد بقوتهم ويعبدونهم لغير الله من العبيد.. لا تركنوا إليهم فإن ركونهم إليهم يعني إقرارهم على هذا المنكر الأكبر الذي يزاولونه، ومشاركتهم إثم ذلك المنكر الكبير.
فتمسكم النار.. جزاء هذا الانحراف. وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون..
وفي تفسير البيضاوي ج: 3 ص: 266
ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ولا تميلوا إليهم أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم واستدامه فتمسكم النار بركونكم إليهم وإذا كان الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلما كذلك فما ظنك بالركون إلى الظالمين أي الموسومين بالظلم ثم بالميل إليهم كل الميل ثم بالظلم نفسه والانهماك فيه ولعل الآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين بها للتثبيت على الاستقامة التي هي العدل فإن الزوال عنها بالميل غلى أحد طرفي إفراط وتفريط فإنه ظلم على نفسه أو غيره بل ظلم في نفسه وقرئ تركنوا فتمسكم بكسر التاء على لغة تميم و تركنوا على البناء للمفعول من أركنه وما لكم من دون الله من أولياء من أنصار يمنعون العذاب عنكم والواو للحال ثم لا تنصرون أي ثم لا ينصركم الله إذا سبق في حكمه أن يعذبكم ولا يبقي عليكم وثم لاستبعاد نصره إياهم وقد أوعدهم بالعذاب عليه وأوجبه لهم ويجوز أن يكون منزلا منزلة الفاء لمعنى الاستبعاد فإنه لما بين أن الله معذبهم وأن غيره لا يقدر على نصرهم أنتج ذلك أنهم لا ينصرون أصلا
تفسير القرطبي ج: 9 ص: 108