فهرس الكتاب

الصفحة 470 من 677

أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشْتَهِيه، أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ اتِّبَاعُ الظَّنِّ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ؛ بَلْ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ مَا يَكُونُ إرْضَاءً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَهَذَا فِي كُلِّ مَنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ، كَالْإِمَامِ، وَالْحَاكِمِ، وَالْوَاقِفِ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ، وَغَيْرِهِمْ: إذَا قِيلَ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا، أَوْ يَفْعَلُ مَا شَاءَ، وَمَا رَأَى، فَإِنَّمَا ذَاكَ تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ. وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ وَأَرْضَى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَقَدْ قَالَ الْوَاقِفُ: عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَخْتَارُهُ وَيَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ. وَمُوجَبُ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِرَايِهِ وَاخْتِيَارِهِ الشَّرْعِيِّ، الَّذِي يَتَّبِعُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ. وَقَدْ يَرَى هُوَ مَصْلَحَةً، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ يَامُرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَصْلَحَةً كَمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً، وَقَدْ يَخْتَارُ مَا يَهْوَاهُ لَا مَا فِيهِ رِضَى اللَّهِ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِيَارِهِ، حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوَاهُ وَمَا يَرَاهُ مُطْلَقًا لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحًا؛ بَلْ كَانَ بَاطِلًا، لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ:"وَمَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ". وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ عَزْلُ النَّاظِرِ وَاسْتِبْدَالُهُ، مُوَافِقًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَعْزُولِ وَلَا غَيْرِهِ رَدُّ ذَلِكَ، وَلَا يَتَنَاوَلُ شَيْئًا مِنْ الْوَقْفِ وَالْحَالُ هَذِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَانَ مَرْدُودًا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ قَالَ: {مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ} . وَقَالَ: {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} . وَإِنْ تَنَازَعُوا هَلْ الَّذِي فَعَلَهُ هُوَ الْمَامُورُ بِهِ أَمْ لَا؟ رُدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ النَّاظِرُ أَرْضَى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ نَفَذَ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الأرض ى أُلْزِمَ النَّاظِرُ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ أَمْرٌ ثَالِثٌ هُوَ الأرض ى لَزِمَ اتِّبَاعُهُ. وَعَلَى النَّاظِرِ بَيَانُ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنْ ظَهَرَتْ وَجَبَ اتِّبَاعُهَا. وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهَا مَفْسَدَةٌ رُدَّتْ، وَإِنْ اشْتَبَهَ الْأَمْرُ وَكَانَ النَّاظِرُ عَالِمًا عَادِلًا سُوِّغَ لَهُ اجْتِهَادُهُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

وفي البحر الزخار:

"مَسْأَلَةٌ"وَمَنْ أَمَرَ بِقَتْلِ غَيْرِ مُسْتَحِقٍّ أَثِمَ إجْمَاعًا؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ} الْخَبَرَ.

وَيُفَسَّقُ الْمُمْتَثِلُ إنْ لَمْ يُكْرَهْ، لقوله تعالى {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} وَقَوْلِهِ صلى الله عليه وآله وسلم {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ} الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ. وَلَا قَوَدَ عَلَى الْآمِرِ إنْ لَمْ يُكْرَهْ اتِّفَاقًا، إذْ الْمُبَاشِرُ غَيْرُهُ.

(قَوْلُهُ) {مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ الْخَبَرَ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَصْبَهَانِيّ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم {مَنْ أَعَانَ عَلَى دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ كُتِبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ. (قَوْلُهُ) {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} الْخَبَرَ وَنَحْوَهُ، لَفْظُهُ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا {لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ} . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ {عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ} أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ إلَّا الْمُوَطَّأَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت