وَقَالَ {لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ} وَإِنْ مَاتَ مَنْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ فَاتَّفَقُوا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ يَصْلُحُ، قَامَ مُقَامَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ، أَوْ طَلَبُوا حَكَمًا لَا يَصْلُحُ، رُدُّوا إلَى مَامَنِهِمْ، وَكَانُوا عَلَى الْحِصَارِ حَتَّى يَتَّفِقُوا، وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِاثْنَيْنِ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، فَاتَّفَقُوا عَلَى مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، جَازَ، وَإِلَّا رُدُّوا إلَى مَامَنِهِمْ وَكَذَلِكَ إنْ رَضُوا بِتَحْكِيمِ مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ الشَّرَائِطُ فِيهِ، وَوَافَقَهُمْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ، لَمْ يُحَكَّمْ، وَيُرَدُّونَ إلَى مَامَنِهِمْ كَمَا كَانُوا. وَأَمَّا صِفَةُ الْحُكْمِ، فَإِنْ حَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، نُفِّذَ حُكْمُهُ لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {لَقَدْ حَكَمْت فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ} وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ فَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُ حُكْمُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْحُكْمَ إلَيْهِ فِيمَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ، فَكَانَ لَهُ الْمَنُّ، كَالْإِمَامِ فِي الْأَسِيرِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ أَنَّ حُكْمَهُ لَا يَلْزَمُ، لِأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا فِيهِ الْحَظُّ، وَلَا حَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْمَنِّ وَإِنْ حَكَمَ بِالْمَنِّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ، لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَمْلِكُ الْمَنَّ عَلَى الذُّرِّيَّةِ إذَا سُبُوا فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ، وَيَحْتَمِلُ الْجَوَازَ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَيَّنْ السَّبْيُ فِيهِمْ، بِخِلَافِ مَنْ سُبِيَ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ رَقِيقًا بِنَفْسِ السَّبْيِ وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفِدَاءِ جَازَ لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالْفِدَاءِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ وَالْمَنِّ. فَكَذَلِكَ الْحَاكِمُ وَإِنْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ لَمْ يَلْزَمْ حُكْمُهُ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالتَّرَاضِي، وَلِذَلِكَ لَا يَمْلِكُ الْإِمَامُ إجْبَارَ الْأَسِيرِ عَلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ. وَإِنْ حَكَمَ بِالْقَتْلِ وَالسَّبْيِ جَازَ لِلْإِمَامِ الْمَنُّ عَلَى بَعْضِهِمْ، {لِأَنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ سَأَلَ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ بَاطَا، مِنْ قُرَيْظَةَ، وَمَالِهِ، رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَجَابَهُ} . وَيُخَالِفُ مَالَ الْغَنِيمَةِ إذَا حَازَهُ الْمُسْلِمُونَ، لِأَنَّ مِلْكَهُمْ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ وَإِنْ أَسْلَمُوا قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، عَصَمُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا وَهُمْ أَحْرَارٌ، وَأَمْوَالُهُمْ لَهُمْ، فَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُ، بِخِلَافِ الْأَسِيرِ، فَإِنَّ الْأَسِيرَ قَدْ ثَبَتَتْ الْيَدُ عَلَيْهِ، كَمَا تَثْبُتُ عَلَى الذُّرِّيَّةِ، فَلِذَلِكَ جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ. وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ، نَظَرْت، فَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْقَتْلِ، سَقَطَ، لِأَنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ، وَلَمْ يَجُزْ اسْتِرْقَاقُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِمْ قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: وَيَحْتَمِلُ جَوَازُ اسْتِرْقَاقِهِمْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْأَسْرِ، وَيَكُونُ الْمَالُ عَلَى مَا حَكَمَ فِيهِ، وَإِنْ حَكَمَ بِأَنَّ الْمَالَ لِلْمُسْلِمِينَ، كَانَ غَنِيمَةً، لِأَنَّهُمْ أَخَذُوهُ بِالْقَهْرِ وَالْحَصْرِ.
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ.
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ. عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَنْفُسَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} (فِيهِ) فَوَائِدُ. (الْأُولَى) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ} ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ {أُمِرْت أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي، وَبِمَا جِئْت بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا}