ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره"هذا النص شمل أركان الإيمان بالغيب، لكن هناك قضايا إيمانية غيبية أخرى نحن مأمورون بالإيمان بها، ومن يكفر بها فقد كفر بما أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، لأنها أصبحت مما هو معلوم من الدين بالضرورة، مثل الإيمان بالجنة والنار وكذلك عالم الجن، ومن القضايا الإيمانية التي عالجها القرآن الكريم، قضية الموت، حيث حدثنا القرآن بأن كل ما على الأرض من كائنات بما فيها الإنسان تجري عليها سنه الموت، لقول الله سبحانه وتعالى: {كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} (الرحمن-26) ."
وأن الموت مقدر للإنسان يأتيه في الأجل المحدد الذي لا يعلمه إلا الله، {وما كان لنفس أن تموت إلا بأذن الله كتابًا مؤجلا} (آل عمران-145) ولِسُنَّة الموت يخضع الإنسان وهو يشترك فيها مع باقي الكائنات ولا يتميز عنها في شيء، حيث لا يستطيع هو أن يقدم الموت ساعة أو يأخره، وكذلك الكائنات الأخرى {لكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (الأعراف - 34) وهذه الحقيقة الإيمانية (المتعلقة بأجلية الموت وغيبيته) ، تُعلِّم الإنسان الشجاعة وتقضي على مظاهر الضعف والخوف وتدفعه إلى الإقدام، لأنه يعلم أن الأمة لو اجتمعت لن تستطيع أن تقدم من عمره أو تأخره شيئًا، فلم الخوف من انقضاء العمر إذًا؟ ولم الجبن عن التصدي للباطل؟ ولم التقاعس عن مقاومة الطغاة والبغاة؟
فرض الله سبحانه الجهاد على أمة الإسلام حتى يقوموا بواجبهم الديني في نشر الإسلام، وإزالة النظم الطاغوتية، التي تحول بين الناس وبين حرية الاعتقاد، لأن هذه النظم تعمل للمحافظة على وجودها وعلى مصالحها الذاتية، سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وبالتالي لن تسمح للمسلمين بحرية الدعوة والحركة، وإنما ستضع في طريقهم العقبات، وستحفر لهم الأخاديد وستعمل على إرهاب الناس وتمنعهم من الالتحاق بمركب الدين الجديد، الذي فيه الحرية الحقيقية والخلاص من كل أشكال العبودية. ولمواجهة الأنظمة الطاغوتية وشبكة المصالح هذه، فرض الله سبحانه على المسلمين الجهاد ورغبهم فيه، وحثهم على وجه الالتزام الجماعي بمقاتلة الكفار والمشركين بقوله {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة -29) ، لأن الله بعلمه المطلق يعلم أن العمل السياسي والدبلوماسي"الدعوي"لا يمكن أن يزيل هذه النظم، ولا يمكن أن يؤدي إلى تغير المجتمعات بكاملها نحو الإسلام، وأن الإسلام إن لم يكن له شوكة وقوة تردع البُغاة والجبابرة، فلن تنكسر إرادتهم، ولن تتحطم مؤامراتهم ومكائدهم. وبناءً عليه فإن هناك منهجين متصارعين: منهج الله ومنهج الطاغوت {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان، إن كيد الشيطان كان ضعيفا} . ومن ناحية ثانية فإن ديار الإسلام ستبقى عُرضة للاعتداء من قِبل الخصوم والأعداء والمتربصين والمرجفين، وإن هؤلاء الأعداء يحتاجون إلى قوة تردعهم وتحطم قوتهم حتى تتمكن ديار الإسلام من العيش في أمن وسلام، يمارس أبناؤها شعائرهم وعباداتهم بحريه كاملة، ولذلك كان الجهاد