فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 677

الإستئذان:

أمر الإستئذان: ولزيادة الإيضاح في هذه المسألة نقول وبالله التوفيق: إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يستأذنون رسول الله ص بعد عقد الراية وإستنفار الأمة .. بل كان استئذان النبي ص استشارة بعد عقد النية أو بعد تسجيل إسم الصحابي في الغزوة، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أحمد والنسائي عن معاوية بن جاهمة السلمي أن جاهمة أتى النبي ص فقال: يا رسول الله، أردت الغزو وجئتك أستشيرك، فقال: هل لك من أم؟ فقال: نعم، فقال: إلزمها فإن الجنة عند رجليها (4) ، 4 - نيل الأوطار للشوكاني (8/ 37) . وفي رواية: إني استكتبت في غزوة كذا، أي كتبت اسمي، هذا عندما كان الجهاد فرض كفاية.

فأما إذا أصبح الجهاد فرض عين بعد الإستنفار فإن استئذان النبي ص يصبح علامة نفاق، فقد جاء في محكم التنزيل:

(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)

(التوبة: 44 - 45)

وأما الخلفاء الراشدون -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم- فلا نعلم أن الصحابة والتابعين كانوا يستأذنونهم، وما كان كل واحد يريد الغزو أو الجهاد يأتي إلى أبي بكر ليستأذنه، فالمهم أن تعقد الراية وتخرج السرية، وأمراء المؤمنين من بعد الخلفاء لا نعلم أن الذي كان ينوي الرباط أو الجهاد يرسل إليهم يستأذنهم، ولا نعلم أن واحدا من المسلمين في التاريخ الإسلامي كله قد عوقب من قبل أمير المؤمنين بسبب الجهاد أو الغزو بدون إذنه، وإنما يستأذن أمير الحرب وقائد المعركة في الغزو والهجوم من أجل التنظيم والتنسيق وحتى لا يفسد المرء الذي يهجم على العدو خطة المسلمين. وخصص بعض الفقهاء كالأوزاعي الإستئذان من الإمام في حالة الجنود الذين يأخذون رواتبهم من ديون الجند. قال الرملي في نهاية المحتاج (8/ 60) : يكره الغزو بغير إذن الإمام أو نائبه، ولا كراهة في حالات:

1 -إذا فو ت الإستئذان المقصود

2 -أو عط ل الإمام الغزو.

3 -أو غلب على ظنه عدم الإذن كما بحث ذلك البلقيني.

نعود فنقول: هذا كله إذا كان الجهاد فرض كفاية، أما إذا أصبح الجهاد متعينا (فرض عين) فلا إذن ولا استئذان، قال ابن رشد: (طاعة الإمام لازمة وإن كان غير عدل ما لم يأمر بمعصية، ومن المعصية النهي عن الجهاد المتعين) (1) . 1 - أنظر فتح العلي المالك للشيخ عليش (1/ 390) .

ونزيد المسألة وضوحا فنقول: إن الإذن والإستئذان في فرض الكفاية إنما يكون بعد الكفاية أي بعد أن يكون عدد المجاهدين كافيا للقيام بالفرض، أما قبل أن تحصل الكفاية فالخطاب موجه إلى الجميع، ويجب على الكل، ويسقط بفعل البعض، ولا فرق بين فرض الكفاية والعين قبل أن تتم الكفاية. وقبل الكفاية: لا إذن ولا استئذان،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت