هنا يتضح لنا ضرورة التربية الإسلامية التي لا يتحقق الأمن الحق في أي أمة إلا إذا تزكى أفرادها وأسرها ومجتمعها على تلك التزكية الربانية. (( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ) [الجمعة: 2] .المطلب الثالث: أصول الحياة الطيبة. وهذه الأصول التي لا تكون الحياة طيبة بدونها، هي التي يسميها العلماء بالضرورات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والعقل، والمال، وبعضهم يضيف إليها ضرورة سادسة وهي: العرض. هذه الضرورات إذا لم تحفظها أي أمة، فإن بقاء تلك الأمة الحقيقي مستحيل، وانقراضها أو ذوبانها محقق. ولذا قال الإمام الشاطبي رحمه الله:"فأما الضروريات فمعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين" [الموافقات (2/ 8) بتحقيق الشيخ عبد الله دراز] وإذا رجعنا إلى نصوص القرآن والسنة وكتب الشريعة الإسلامية وجدنا أن هذه الأصول التي لا حياة بدونها، هي الهدف الذي يجب أن يكون نشاط الإنسان كله متجهًا لحفظه وحفظ ما يكمله أو درء ما يضعفه.
(1) إن تربية الفرد على العلم النافع، وهو الهدى الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لتسعد به البشرية في الدنيا والآخرة، العلم الذي أنزله خالق الإنسان لهداية الإنسان، وجعله نهجًا له شاملًا لحياته كلها، وبعث به رسولًا هو أفضل الرسل وخاتم الأنبياء، وجعله قدوة حسنة يعلم الناس وحي ربه، ويهديهم برسالته، ويزكيهم بدينه. إن التربية بهذا العلم كفيلة بجعل الإنسان ذي الفطرة السليمة، يستقيم على صراط الله، ينفع نفسه وينفع الناس ولا يضرهم. إن الفرد الذي ينشأ على معرفة الله تعالى الذي خلقه وخلق الكون كله، بأنه الإله الحق الذي يستحق العبادة والطاعة المطلقة، فيلتزم بتلك الطاعة، ويجتنب معصية الله، إن المجتمع الذي يُنشَّأ أفراده هذه التنشئة جدير أن يحقق في أرض الله الخلافة التي أرادها الله منه، فيسعد بها نفسه، ويسعد غيره، وينجو بها من الشقاء وينجو غيره. إن الذي يعلم أن علم الله محيط بكل شيء، محاسب على كل شيء لا تخفى عليه خافية، ولا يعجزه شيء، لكمال علمه وقدرته، الذي يعلم ذلك حق العلم يجتهد أن لا يراه ربه مرتكبًا ما يسخطه من المعاصي والإضرار بالناس، ولا تاركًا أمرًا يرضيه من الخير ونفع العباد. وأنه يستطيع أن يحتال على كل المخلوقين ويفلت من أن يطلعوا عليه أو يعاقبوه، ولكنه لا يقدر على الاحتيال على الله والإفلات من علمه وعقابه، لأن البشر لا يعلمون ما غاب عنهم ولا يقدرون على كل شيء، لأن علمهم وقدرتهم محدودان، أما الله تعالى فإنه علمه محيط بكل شيء، وهو على كل شيء قدير. والذي يعلم أنه إذا لم يفضح ويجازى على عمله الشائن في هذه الدنيا، سيفضح ويجازى عليه في الآخرة أمام الأشهاد، وأنه لا يفوت من عمله شيء ولو كان مثقال ذرة، لأن كل عمله مكتوب مسجل عليه وسيأخذ كتابه - إن عمل صالحا - بيمينه، ويأخذه - إن عمل سيئا - بشماله. إن الذي يعلم ذلك، ويعلم أن جزاء المحسن الجنة، وجزاء المسيء النار، لا يتأخر عن العمل الصالح ولا يقدم على عمل الشر، والذي يعلم ما أراد الله منه من