ضَرُورَةٍ وَالْمَكْرُوهُ مَا إذَا فُعِلَ تَعْظِيمًا لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ: وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ مَحَبَّةِ الْقِيَامِ فِي قَوْلِهِ عليه السلام {مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ النَّاسُ أَوْ الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّا مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ} يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ ذَلِكَ تَجَبُّرًا أَمَّا مَنْ أَرَادَهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّقِيصَةِ بِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْهَى عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَحَبَّةَ دَفْعِ الْأَسْبَابِ الْمُؤْلِمَةِ مَاذُونٌ فِيهَا بِخِلَافِ التَّكَبُّرِ وَالتَّجَبُّرِ نَعَمْ لَا يُنْهَى عَنْ الْمَحَبَّةِ لِلْقِيَامِ تَجَبُّرًا وَتَكَبُّرًا وَالْمَيْلُ لِذَلِكَ الطَّبِيعِيِّ فَإِنَّ الْأُمُورَ الْجِبِلِّيَّةَ لَا يُنْهَى عَنْهَا بَلْ إنَّمَا يُنْهَى عَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَذِيَّةِ النَّاسِ إذَا لَمْ يَقُومُوا وَمُؤَاخَذَتُهُمْ عَلَيْهِ فَالْقِيَامُ لِإِكْرَامِ النَّاسِ يَنْقَسِمُ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ مُحَرَّمٌ وَمَكْرُوهٌ وَوَاجِبٌ وَمَنْدُوبٌ وَمُبَاحٌ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَشْرُوعِ مِنْ الْمُوَادَّةِ وَغَيْرِ الْمَشْرُوعِ مِنْهَا هَذَا تَهْذِيبُ مَا فِي الْأَصْلِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الشَّاطِّ مَعَ زِيَادَةٍ. قُلْت: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْأَصْلِ وَشَيْخُهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنُ الشَّاطِّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ تَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَبِي إسْحَاقَ وَغَيْرِهِ مِنْ مُتَقَدِّمِي مَذْهَبِ مَالِكٍ رحمه الله تعالى الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَكُونُ إلَّا ضَلَالَةً مُحَرَّمَةً، وَإِنَّمَا تَتَفَاوَتُ رُتَبُهَا فِي التَّحْرِيمِ فَلَا يُبَاحُ مِنْ الْمُوَادَّةِ إلَّا مَا وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِذَا نَهَاهَا الزَّوْجُ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ، أَوْ أَمَرَهَا بِمَا نَهَى اللَّه عَنْهُ، لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِي ذَلِكَ 0
فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:"إنَّهُ {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} "بَلْ الْمَالِكُ لَوْ أَمَرَ مَمْلُوكَهُ بِمَا فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُطِيعَهُ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُطِيعَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا، أَوْ أَحَدُ أَبَوَيْهَا فِي مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
859 -18 مَسْأَلَةٌ: فِيمَنْ أَوْقَفَ رِبَاطًا؛ وَجَعَلَ فِيهِ جَمَاعَةً مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ؛ وَجَعَلَ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مَا يَكْفِيهِمْ؛ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ شُرُوطًا غَيْرَ مَشْرُوعَةٍ: مِنْهَا أَنْ يَجْتَمِعُوا فِي وَقْتَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ مِنْ النَّهَارِ؛ فَيَقْرَءُونَ شَيْئًا مُعَيَّنًا مِنْ الْقُرْآنِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَوْقَفَهُ لَا فِي غَيْرِهِ؛ مُجْتَمِعِينَ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُتَفَرِّقِينَ؛ وَشَرَطَ أَنْ يُهْدُوا لَهُ ثَوَابَ التِّلَاوَةِ؛ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا شَرَطَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَوْقَفَهُ لَمْ يَاخُذْ مَا جُعِلَ لَهُ. فَهَلْ جَمِيعُ الشُّرُوطِ لَازِمَةٌ لِمَنْ أَخَذَ الْمَعْلُومَ؟ أَمْ بَعْضُهَا؟ أَمْ لَا أَثَرَ لِجَمِيعِهَا؟ وَهَلْ إذَا لَزِمَتْ الْقِرَاءَةُ. فَهَلْ يَلْزَمُ جَمِيعُ مَا شَرَطَهُ مِنْهَا؟ أَمْ يَقْرَءُونَ مَا تَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ قِرَاءَتَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْدُوا شَيْئًا؟
الْجَوَابُ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ. الْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ مَا شُرِطَ مِنْ الْعَمَلِ مِنْ الْوُقُوفِ الَّتِي تُوقَفُ عَلَى الْأَعْمَالِ فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قُرْبَةً؛ إمَّا وَاجِبًا؛ وَإِمَّا مُسْتَحَبًّا وَأَمَّا اشْتِرَاطُ عَمَلٍ مُحَرَّمٍ فَلَا يَصِحُّ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ وَكَذَلِكَ الْمَكْرُوهُ؛ وَكَذَلِكَ الْمُبَاحُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ تَنْقَسِمُ إلَى صَحِيحٍ وَفَاسِدٍ. كَالشُّرُوطِ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ. وَمَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ: إنَّ شُرُوطَ الْوَاقِفِ نُصُوصٌ كَأَلْفَاظِ الشَّارِعِ، فَمُرَادُهُ أَنَّهَا كَالنُّصُوصِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مُرَادِ الْوَاقِفِ؛ لَا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا: أَيْ أَنَّ مُرَادَ الْوَاقِفِ يُسْتَفَادُ مِنْ أَلْفَاظِهِ الْمَشْرُوطَةِ؛ كَمَا يُسْتَفَادُ مُرَادُ الشَّارِعِ مِنْ أَلْفَاظِهِ؛