فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 677

وأوضاعه، وقيمة وموازينه. والساب والمسبوب كلاهما ليس في دين الله. إنما هما وأهل مجتمعهما طرا في دين من ينزلون لهم الشرائع والقوانين؛ ويضعون لهم القيم والموازين؟!

ما غناء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مثل هذه الأحوال؟ ما غناء النهي عن هذه الكبائر - فضلا عن أن يكون النهي عن الصغائر - والكبيرة الكبرى لا نهي عنها.. كبيرة الكفر بالله؛ برفض منهجه للحياة؟!

إن الأمر أكبر وأوسع وأعمق، مما ينفق فيه هؤلاء"الطيبون"جهدهم وطاقتهم واهتمامهم.. إنه - في هذه المرحلة - ليس أمر تتبع الفرعيات - مهما تكن ضخمة حتى ولو كانت هي حدود الله. فحدود الله تقوم ابتداء على الاعتراف بحاكمية الله دون سواه. فإذا لم يصبح هذا الاعتراف حقيقة واقعة؛ تتمثل في اعتبار شريعة الله هي المصدر الوحيد للتشريع؛ واعتبار ربوبية الله وقوامته هي المصدر الوحيد للسلطة.. فكل جهد في الفروع ضائع؛ وكل محاولة في الفروع عبث.. والمنكر الأكبر أحق بالجهد والمحاولة من سائر المنكرات..

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان..

وقد يجيء على المسلمين زمان لا يستطيعون فيه تغيير المنكر بأيديهم؛ ولا يستطيعون فيه تغيير المنكر بألسنتهم؛ فيبقى أضعف الإيمان؛ وهو تغييره بقلوبهم؛ وهذا ما لا يملك أحد أن يحول بينهم وبينه، إن هم كانوا حقا على الإسلام!

وليس هذا موقفا سلبيا من المنكر - كما يلوح في بادئ الأمر - وتعبير الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه تغيير دليل على أنه عمل إيجابي في طبيعته. فإنكار المنكر بالقلب، معناه احتفاظ هذا القلب بإيجابيته تجاه المنكر.. إنه ينكره ويكرهه ولا يستسلم له، ولا يعتبره الوضع الشرعي الذي يخضع له ويعترف به.. وإنكار القلوب لوضع من الأوضاع قوة إيجابية لهدم هذا الوضع المنكر، ولإقامة الوضع"المعروف"في أول فرصة تسنح، وللتربص بالمنكر حتى تواتي هذه الفرصة.. وهذا كله عمل إيجابي في التغيير..

وهو على كل حال أضعف الإيمان. فلا أقل من أن يحتفظ المسلم بأضعف الإيمان! أما الاستسلام للمنكر لأنه واقع، ولأن له ضغطا - قد يكون ساحقا - فهو الخروج من آخر حلقة، والتخلي حتى عن أضعف الإيمان! هذا وإلا حقت على المجتمع اللعنة التي حقت على بني إسرائيل:

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه. لبئس ما كانوا يفعلون!..

وفي فتح القدير ج: 2 ص: 66

قوله لعن الذين كفروا من بني إسرائيل أي لعنهم الله سبحانه على لسان داود وعيسى ابن مريم أي في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي كاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى قوله ذلك بما عصوا جملة مستأنفة جواب عن سؤال مقدر والإشارة بذلك إلى اللعن أي ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت