سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وختاما نقول: ليست القضية بكثرة النصوص ووفرة الشواهد، وإنما الأمر متعلق بالقلوب، فإن أعطاها الله نورا أبصرت الحق واتضح فيه، وإن أظلمت القلوب لم تعد ترى.
(فإنها تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (الأنعام: 104)
وأبصار القلوب للبصائر والآيات الربانية تأتي نتيجة التقوى والطاعة والإجتهاد في العبادة (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها وما أنا عليكم بوكيل) .
وهذه البصيرة تفجر في القلب ينابيع المعرفة والإدراك، وهذه لا تنال بكسب ولا دراسة، إن هو إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه ودينه على قدر بصيرة قلبه، (وهذه البصيرة تنبت في أرض القلب) ، يفرق به بين الحق والباطل، والصادق والكاذب، قال تعالى: (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) (الحجر: 75) قال مجاهد: وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ص أنه قال: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله عزوجل ثم قرأ (إن في ذلك لآيات للمتوسمين) .وكل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبها فلا بد أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خبره والزامه، لأن أحكام الرب سبحانه كثيرا ما تأتي على خلاف أغراض الناس، ولا سيما أهل الرياسه.
والذين يتبعون الشهوات فإنهم لا تتم لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا، فإذا كان العالم والحاكم محبين للرياسة متبعين للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضاده من الحق، ولا سيما إذا قامت له شبهة فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى، فيخفى الصواب وينطمس وجه الحق.
ووإن كان الحق ظاهرا لا خفاء به ولا شبهة فيه أقدم على مخالفته وقال: لي مخرج بالتوبة.
وفي هؤلاء وأشباههم قال تعالى: (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات) وقال تعالى فيهم أيضا: (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه، ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله ألا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) (الأعراف: 169)
فإن اتباع الهوى يعمي عين القلب، فلا يميز بين السنة ووالبدعة أو ينكسه، فيرى البدعة سنة والسنة بدعة، فهذه آفة العلماء إذا آثراوا الدنيا واتقوا الرياسات والشهوات (الفوائد: 113 - 114) .
وهذه الآيات فيهم إلى قوله: (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين، ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) (الأعراف: 175 - 176)