وهكذا يقول الله تعالى عن فرعون وزمرته في سورة الدخان {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ 25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ {26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ {27} كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ {28} فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأرض وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ {29}
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:
ويمضي من هذا المشهد المضمر إلى التعقيب عليه؛ تعقيبًا يشي بهوان فرعون الطاغية المتعالي وملئه الممالئ له على الظلم والطغيان. هوانه وهوانهم على الله، وعلى هذا الوجود الذي كان يشمخ فيه بأنفه، فيطأطئ له الملأ المفتونون به؛ وهو أضأل وأزهد من أن يحس به الوجود، وهو يسلب النعمة فلا يمنعها من الزوال، ولا يرثي له أحد على سوء المآل:
كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم. ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قومًا آخرين. فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين..
ويبدأ المشهد بصور النعيم الذي كانوا فيه يرفلون..
جنات. وعيون. وزروع. ومكان مرموق، ينالون فيه الاحترام والتكريم. ونعمة يلتذونها ويطعمونها ويعيشون فيها مسرورين محبورين. ثم ينزع هذا كله منهم أو ينزعون منه. ويرثه قوم آخرون - وفي موضع آخر قال:
كذلك وأورثناها بني إسرائيل - وبنو إسرائيل لم يرثوا ملك فرعون بالذات. ولكنهم ورثوا ملكًا مثله في الأرض الأخرى. فالمقصود إذن هو نوع الملك والنعمة. الذي زال عن فرعون وملئه، وورثه بنو إسرائيل!
ثم ماذا؟ ثم ذهب هؤلاء الطغاة الذين كانوا ملء الأعين والنفوس في هذه الأرض: ذهبوا فلم يأس على ذهابهم أحد، ولم تشعر بهم سماء ولا أرض؛ ولم ينظروا أو يؤجلوا عند ما حل الميعاد:
فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين..
وهو تعبير يلقي ظلال الهوان، كما يلقي ظلال الجفاء..
فهؤلاء الطغاة المتعالون لم يشعر بهم أحد في أرض ولا سماء. ولم يأسف عليهم أحد في أرض ولا سماء. وذهبوا ذهاب النمال، وهم كانوا جبارين في الأرض يطأون الناس بالنعال!
وذهبوا غير مأسوف عليهم فهذا الكون يمقتهم لانفصالهم عنه، وهو مؤمن بربه، وهم به كافرون!
وهم أرواح خبيثة شريرة منبوذة من هذا الوجود وهي تعيش فيه!
ولو أحس الجبارون في الأرض ما في هذه الكلمات من إيحاء لأدركوا هوانهم على الله وعلى هذا الوجود كله. ولأدركوا أنهم يعيشون في الكون منبوذين منه، مقطوعين عنه، لا تربطهم به آصرة، وقد قطعت آصرة الإيمان..
11.فرح كثير من العراقيين بتحطيم الأصنام التي كان قد صنعها لنفسه ذلك الإله المزعوم ولكن ليس المهم تحطيم الأصنام فقط، بل يجب تحطيمها من النفس الإنسانية فالذي تعود على تقديس هذه الأصنام يسهل