فهرس الكتاب

الصفحة 392 من 677

لَهُ: إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْفِتْنَةَ الَّتِي يَقْتَتِلُ النَّاسُ فِيهَا عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا وَعَلَى جِهَةِ الْعَصَبِيَّةِ وَالْحَمِيَّةِ مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ مَعَ إمَامٍ تَجِبُ طَاعَتُهُ، فَأَمَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّ إحْدَى الْفِئَتَيْنِ بَاغِيَةٌ وَالْأُخْرَى عَادِلَةٌ مَعَ الْإِمَامِ فَإِنَّ قِتَالَ الْبَاغِيَةِ وَاجِبٌ مَعَ الْإِمَامِ وَمَعَ مَنْ قَاتَلَهُمْ مُحْتَسِبًا فِي قِتَالِهِمْ فَإِنْ قَالُوا: {قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: قَتَلْته وَهُوَ قَدْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} إنَّمَا يُرَدِّدُ ذَلِكَ مِرَارًا، فَوَجَبَ أَنْ لَا يُقَاتَلَ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَلَا يُقْتَلَ قِيلَ لَهُ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاتَلُونَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} . فَكَانُوا إذَا أَعْطَوْا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ أَجَابُوا إلَى مَا دُعُوا إلَيْهِ مِنْ خَلْعِ الْأَصْنَامِ وَاعْتِقَادِ التَّوْحِيدِ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ الْبُغَاةُ إلَى الْحَقِّ فَيَزُولَ عَنْهُمْ الْقِتَالُ؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى إقَامَتِهِمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَمَتَى كَفُّوا عَنْ الْقِتَالِ تُرِكَ قِتَالُهُمْ، كَمَا يُقَاتَلُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى إظْهَارِ الإسلام فَمَتَى أَظْهَرُوهُ زَالَ عَنْهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ وَالْمُحَارِبِينَ يُقَاتَلُونَ وَيُقْتَلُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ.

وفي الأحكام السلطانية:

(فَصْلٌ) وَالْقِسْمُ الْخَامِسُ: مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْإِمَارَةِ مُصَابَرَةُ الْأَمِيرِ قِتَالَ الْعَدُوِّ مَا صَابَرَ وَإِنْ تَطَاوَلَتْ بِهِ الْمُدَّةُ، وَلَا يُوَلِّي عَنْهُ وَفِيهِ قُوَّةٌ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَاوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: اصْبِرُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَصَابِرُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ وَرَابِطُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ. وَالثَّانِي: اصْبِرُوا عَلَى دِينِكُمْ وَصَابِرُوا الْوَعْدَ الَّذِي وَعَدَكُمْ وَرَابِطُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ وَهَذَا قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَالثَّالِثُ: اصْبِرُوا عَلَى الْجِهَادِ وَصَابِرُوا الْعَدُوَّ وَرَابِطُوا بِمُلَازَمَةِ الثَّغْرِ وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. وَإِذَا كَانَتْ مُصَابَرَةُ الْقِتَالِ مِنْ حُقُوقِ الْجِهَادِ فَهِيَ لَازِمَةٌ حَتَّى يُظْفَرَ بِخَصْلَةٍ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: إحْدَاهُنَّ أَنْ يُسْلِمُوا فَيَصِيرَ لَهُمْ بِالإسلام مَا لَنَا وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْنَا وَيُقَرُّوا عَلَى مَا مَلَكُوا مِنْ بِلَادٍ وَأَمْوَالٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} . وَتَصِيرُ بِلَادُهُمْ إذَا أَسْلَمُوا دَارَ الإسلام يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الإسلام، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مَعْرَكَةِ الْحَرْبِ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ أَحْرَزُوا بِإِسْلَامِهِمْ مَا مَلَكُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَرْضٍ وَمَالٍ فَإِنْ ظَهَرَ الْأَمِيرُ عَلَى دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يَغْنَمْ أَمْوَالَ مَنْ أَسْلَمَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَغْنَمُ مَا لَا يُنْقَلُ مِنْ أَرْضٍ وَدَارٍ، وَلَا يَغْنَمُ مَا يُنْقَلُ مِنْ مَالٍ وَمَتَاعٍ وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ. وَقَدْ أَسْلَمَ فِي حِصَارِ بَنِي قُرَيْظَةَ ثَعْلَبَةُ وَأُسَيْدٌ ابْنَا شُعْبَةَ الْيَهُودِيَّانِ فَأَحْرَزَ إسْلَامُهُمَا أَمْوَالَهُمَا وَيَكُونُ إسْلَامُهُمْ إسْلَامًا لِصِغَارِ أَوْلَادِهِمْ وَلِكُلِّ حَمْلٍ كَانَ لَهُمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إذَا أَسْلَمَ كَافِرٌ فِي دَارِ الإسلام لَمْ يَكُنْ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ، وَلَوْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ كَانَ إسْلَامًا لِصِغَارِ وَلَدِهِ وَلَا يَكُونُ إسْلَامًا لِلْحَمْلِ وَتَكُونُ زَوْجَتُهُ وَالْحَمْلُ فَيْئًا، وَلَوْ دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ فَاشْتَرَى فِيهَا أَرْضًا وَمَتَاعًا لَمْ يُمْلَكْ عَلَيْهِ إذَا ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا وَكَانَ مُشْتَرِيهَا أَحَقَّ بِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَكُونُ مَا مَلَكَهُ مِنْ أَرْضٍ فَيْئًا. وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يُظْفِرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ مَعَ مَقَامِهِمْ عَلَى شِرْكِهِمْ فَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ وَيُقْتَلُ مَنْ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْأَسْرِ مِنْهُمْ. وَيَكُونُ فِي الْأَسْرَى مُخَيَّرًا فِي اسْتِعْمَالِ الْأَصْلَحِ مِنْ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْتُلَهُمْ صَبْرًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت