رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ
وفيه نزل قول الله تعالى في سورة التوبة: {وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ 118}
فهذا كعب بن مالك - وزميلاه - يتخلفون عن ركب رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] - في ساعة العسرة. يدركهم الضعف البشري الذي يحبب إليهم الظل والراحة، فيؤثرونهما على الحر والشدة والسفر الطويل والكد الناصب. ولكن كعبًا ما يلبث بعد خروج رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] ... - أن يحس ما فعل، يشعره به كل ما حوله:"فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] - يحزنني أنني لا أرى لي أسوة إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق، أو رجلًا ممن عذر اللّه"- يعني بمن عذر اللّه الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون.
فالعسرة لم تقعد بالمسلمين عن تلبية دعوة رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] - الى الغزوة البعيدة الشقة. لم يقعد إلا المطعون فيهم المظنون بهم النفاق، وإلا العاجزون الذين عذرهم اللّه. أما القاعدة الصلبة للجماعة المسلمة فكانت أقوى روحًا من العسرة، وأصلب عودًا من الشدة ..
هذه واحدة. والثانية هي التقوى. التقوى التي تلجئ المخطئ إلى الصدق والإقرار. والأمر بعد ذلك للّه:"فقلت: يا رسول اللّه، واللّه لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر. لقد أعطيت جدلًا. ولكني واللّه لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى عني به ليوشكن اللّه أن يسخطك علي. ولئن حدثتك بحديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى من اللّه. واللّه ما كان لي عذر. واللّه ما كنت أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك".
فاللّه حاضر في ضمير المؤمن المخطئ. ومع حرصه البالغ على رضى رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] ... -
وهذا الرضى يومئذ يعز ويذل ويرفع ويخفض ويترك المسلم مرموقًا بالأنظار أو مهملًا لا ينظر إليه إنسان - مع هذا فإن مراقبة اللّه أقوى وتقوى اللّه أعمق؛ والرجاء في اللّه أوثق.
"ونهى رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] - الناس عن كلامنا. أيها الثلاثة. من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس - أو قال: تغيروا لنا - حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما؛ وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم. فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق، فلا يكلمني أحد. وآتي رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] - فأسلم عليه في مجلسه بعد الصلاة، وأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرض عني. حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مشيت"