إنْ أَرَادَهَا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ - عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم. وَأَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا كَذَلِكَ دِيَةَ الْأَصَابِعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ. وَحَرَّمَ اللَّهُ طَاعَةَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى -، وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلَّ ذَلِكَ بِإِسْنَادِهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ دِيوَانِنَا. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ نا أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ نا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عِيسَى نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ نا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ نا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ نا قُتَيْبَةُ نا لَيْثٌ - هُوَ ابْنُ سَعْدٍ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ - هُوَ ابْنُ عُمَرَ - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ {عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ، إلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ} وَبِهِ إلَى مُسْلِمٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى نا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرَ غُنْدَرٌ نا شُعْبَةُ عَنْ زُبَيْدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ {إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ} قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: فَحَرَامٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ أَنْ يَاتَمِرَ لَهَا، فَإِنْ فَعَلَ فَهُوَ فَاسِقٌ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَيْسَ لَهُ بِذَلِكَ عُذْرٌ. وَكَذَلِكَ الْآمِرُ فِي نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يُبِحْ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَاسِقٌ وَلَا عُذْرَ لِلْمَامُورِ فِي طَاعَتِهِ، بَلْ الْآمِرُ وَاَلَّذِي يُؤْمَرُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَجِبَ لِلْآمِرِ إنْسَانًا بِقَطْعِ يَدِ الْآمِرِ نَفْسِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَوْ بِقَتْلِ عَبْدِهِ، أَوْ بِقَتْلِ ابْنِهِ، مَا يَجِبُ لَهُ لَوْ لَمْ يَامُرْ بِذَلِكَ مِنْ الْقَوَدِ أَوْ الدِّيَةِ، لِأَنَّ وُجُودَ أَمْرِهِ بِذَلِكَ بَاطِلٌ لَا حُكْمَ لَهُ فِي الْإِبَاحَةِ أَصْلًا وَكَذَلِكَ مَنْ أَبَاحَ لِآخَرَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَفَعَلَ فَلِأَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ الْقَوَدُ أَوْ الدِّيَةُ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَمَرَ آخَرَ بِقَتْلِ عَبْدِهِ فَقَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَامُورِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَنْ أَمَرَ آخَرَ بِقَطْعِ يَدِ الْآمِرِ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْقَاطِعِ. قَالَ عَلِيٌّ: وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ أَمَرَ إنْسَانًا بِأَنْ يَزْنِيَ بِأَمَةِ نَفْسِهِ فَفَعَلَ أَنَّ الْحَدَّ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالُوا: إنَّ لَهُ بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ، وَقَتْلِ أَبِيهِ، وَغُلَامِهِ: أَنْ يَعْفُوَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ بَعْدَ الزِّنَى بِأَمَتِهِ؟ قِيلَ لَهُمْ: إنَّ وَقْتَ الْعَفْوِ لَمْ يَاتِ بَعْدُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ، وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيمَنْ قَالَ: مَنْ قَتَلَ ابْنَ عَمِّي فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ قَاتِلٌ، فَإِنَّ لَهُ الْقَوَدَ، فَبَطَلَ تَنْظِيرُهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
34 -بَابُ مَا يَجِبُ مِنْ طَاعَةِ الْوَالِي وَمَا لَا يَجِبُ 165
- [قَالَ:] وَإِذَا دَخَلَ الْعَسْكَرُ دَارَ الْحَرْبِ لِلْقِتَالِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَرَهُمْ أَمِيرُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ، فَإِنْ كَانَ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مَنْفَعَةٌ لَهُمْ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ لقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} . وَالْمُرَادُ الْأُمَرَاءُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ، وَالْعُلَمَاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ. وَإِنَّمَا تَجِبُ طَاعَةُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَامُرُونَ بِهِ لِأَنَّهُمْ يَامُرُونَهُمْ بِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلنَّاسِ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ. وَكَذَلِكَ إنْ أَمَرُوهُمْ بِشَيْءٍ لَا يَدْرُونَ أَيَنْتَفِعُونَ بِهِ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الطَّاعَةِ ثَابِتَةٌ بِنَصٍّ مَقْطُوعٍ بِهِ. وَمَا تَرَدَّدَ لَهُمْ مِنْ الرَّايِ فِي أَنَّ مَا أُمِرَ بِهِ مُنْتَفَعٌ أَوْ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلنَّصِّ الْمَقْطُوعِ..
166 -وَقَدْ تَكُونُ طَاعَةُ الْأَمِيرِ فِي الْكَفِّ عَنْ الْقِتَالِ خَيْرًا مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْقِتَالِ. وَقَدْ يَكُونُ الظَّاهِرُ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ (48 آ) الْجُنْدُ يَدُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخِلَافِ ذَلِكَ عِنْدَ الْأَمِيرِ، وَلَا يَرَى الصَّوَابَ فِي أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى مَا هُوَ الْحَقِيقَةُ عَامَّةُ الْجُنْدِ. فَلِهَذَا كَانَ عَلَيْهِمْ الطَّاعَةُ مَا لَمْ يَامُرْهُمْ بِأَمْرٍ يَخَافُونَ فِيهِ الْهَلَكَةَ، وَعَلَى ذَلِكَ