اسْتَعَارَ مِنْهَا مُوسَى يَسْتَحِدُّ بِهَا فَأَعَارَتْهُ فَأَخَذَ ابْنًا لِى وَأَنَا غَافِلَةٌ حِينَ أَتَاهُ قَالَتْ فَوَجَدْتُهُ مُجْلِسَهُ عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ فِى وَجْهِى فَقَالَ تَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ. وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَاكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِى يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِى الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا فَلَمَّا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ فِى الْحِلِّ قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ ذَرُونِى أَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ. فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَوْلاَ أَنْ تَظُنُّوا أَنَّ مَا بِى جَزَعٌ لَطَوَّلْتُهَا اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا. وَلَسْتُ أُبَالِى حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَىِّ شِقٍّ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِى وَذَلِكَ فِى ذَاتِ الإِلَهِ وَإِنْ يَشَا يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ فَقَتَلَهُ ابْنُ الْحَارِثِ فَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لِكُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِعَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ يَوْمَ أُصِيبَ فَأَخْبَرَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- أَصْحَابَهُ خَبَرَهُمْ وَمَا أُصِيبُوا وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمٍ حِينَ حُدِّثُوا أَنَّهُ قُتِلَ لِيُؤْتَوْا بِشَىْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ وَكَانَ قَدْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَبُعِثَ عَلَى عَاصِمٍ مِثْلُ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ فَحَمَتْهُ مِنْ رَسُولِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَنْ يَقْطَعَ مِنْ لَحْمِهِ شَيْئًا.
وفي الحديث أن للأسير أن يمتنع من قبول الأمان ولا يمكن من نفسه ولو قتل، أنفة من أنه يجري عليه حكم كافر، وهذا إذا أراد الأخذ بالشدة، فإن أراد الأخذ بالرخصة له أن يستأمن، قال الحسن البصري: لا بأس بذلك. وقال سفيان الثوري: أكره ذلك، وفيه الوفاء للمشركين بالعهد، والتورع عن قتل أولادهم، والتلطف بمن أريد قتله، وإثبات كرامة الأولياء، والدعاء على المشركين بالتعميم، والصلاة عند القتل، وفيه إنشاء الشعر وإنشاده عند القتل ودلالة على قوة يقين خبيب وشدته في دينه، وفيه أن الله يبتلي عبده المسلم بما شاء كما سبق في علمه ليثيبه، ولو شاء ربك ما فعلوه. وفيه استجابة دعاء المسلم وإكرامه حيا وميتا وغير ذلك من الفوائد مما يظهر بالتأمل. وإنما استجاب الله له في حماية لحمه من المشركين ولم يمنعهم من قتله لما أراد من إكرامه بالشهادة، ومن كرامته حمايته من هتك حرمته بقطع لحمه. وفيه ما كان عليه مشركو قريش من تعظيم الحرم والأشهر الحرم.
وفي نيل الأوطار:
وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ رحمه الله تعالى بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَلَا أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ أَنْ يَسْتَاسِرَ، وَهَكَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ:"بَابُ هَلْ يَسْتَاسِرُ الرَّجُلُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَاسِرْ"أَيْ هَلْ يُسْلِمُ نَفْسَهُ لِلْأَسْرِ أَمْ لَا؟. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الدُّخُولِ تَحْتَ أَسْرِ الْكُفَّارِ، وَلَا أَنْكَرَ مَا وَقَعَ مِنْ السَّبْعَةِ الْمَقْتُولِينَ مِنْ الْإِصْرَارِ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْأَسْرِ، وَلَوْ كَانَ مَا وَقَعَ مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ غَيْرَ جَائِزٍ لَأَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ بِعَدَمِ جَوَازِهِ وَأَنْكَرَهُ، فَدَلَّ تَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ لَا طَاقَةَ لَهُ بِعَدُوِّهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْأَسْرِ وَأَنْ يَسْتَاسِرَ
قلت: الغالب أن الذين استأسروا عندما لم يبق معهم أي سلاح يدافعون به عن أنفسهم أو أنهم صدقوا الكفار على مقولتهم لهم وهذا يدل بشكل قاطع على أنه لا