خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ إلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَلَيْسَ لِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ مَعْرِفَةُ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيَدُلُّ هَذَا عَلَى صِحَّةِ كَوْنِ سُؤَالِ الْعُلَمَاءِ وَاجِبًا، وَامْتِثَالِ فَتْوَاهُمْ لَازِمًا. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِأُولِي الْأَمْرِ هُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا، وَبِهِ أَخَذَ الْجَصَّاصُ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ.
قَالَ الْجَصَّاصُ: وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَمْرًا بِطَاعَةِ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ وَهْم أُمَرَاءُ السَّرَايَا وَالْعُلَمَاءُ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا، أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَلِأَنَّ سُؤَالَهُمْ وَاجِبٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى الْخَلْقِ، وَجَوَابُهُمْ لَازِمٌ، وَامْتِثَالُ فَتْوَاهُمْ وَاجِبٌ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالظَّاهِرُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ أُولِي الْأَمْرِ مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْمُرَادُ بِأُولِي الْأَمْرِ مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ طَاعَتَهُ مِنْ الْوُلَاةِ وَالْأُمَرَاءِ، هَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: هُمْ الْعُلَمَاءُ، وَقِيلَ: الْعُلَمَاءُ وَالْأُمَرَاءُ.
وهناك أقوال كثيرة مثل هذا
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم فقد روى أحمد بإسناد صحيح (1098) عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
وقوله تعالى: {إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا}
فَإِنَّ الْإِمَامَ مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ مِنْ طَرِيقِ النُّبُوَّةِ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ أَئِمَّةٌ عليهم السلام لِمَا أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ مِنْ اتِّبَاعِهِمْ وَالِائْتِمَامِ بِهِمْ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ؛ فَالْخُلَفَاءُ أَئِمَّةٌ؛ لِأَنَّهُمْ رُتِّبُوا فِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَلْزَمُ النَّاسَ اتِّبَاعُهُمْ وَقَبُولُ قَوْلِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ، وَالْقُضَاةُ وَالْفُقَهَاءُ أَئِمَّةٌ أَيْضًا، وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي يُصَلِّي بِالنَّاسِ يُسَمَّى إمَامًا؛ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ لَزِمَهُ الِاتِّبَاعُ لَهُ وَالِائْتِمَامُ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: {إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ إمَامًا لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا} وَقَالَ: {لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى إمَامِكُمْ} فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ اسْمِ الْإِمَامَةِ مُسْتَحَقٌّ لِمَنْ يَلْزَمُ اتِّبَاعُهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي أُمُورِ الدِّينِ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا وَقَدْ يُسَمَّى بِذَلِكَ مَنْ يُؤْتَمَّ بِهِ فِي الْبَاطِلِ، إلَّا أَنَّ الْإِطْلَاقَ لَا يَتَنَاوَلُهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إلَى النَّارِ} فَسُمُّوا أَئِمَّةً؛ لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهُمْ بِمَنْزِلَةِ مِنْ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَئِمَّةً يَجِبُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ} وَقَالَ: {وَانْظُرْ إلَى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا} يَعْنِي فِي زَعْمِكَ وَاعْتِقَادِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ عليه السلام: {أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي أَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ} وَالْإِطْلَاقُ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَنْ يَجِبُ الِائْتِمَامُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي الْحَقِّ وَالْهُدَى. أَلَا تَرَى أَنَّ قوله تعالى: {إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا} قَدْ أَفَادَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَئِمَّةَ الضَّلَالِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ {يَدْعُونَ إلَى النَّارِ} . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اسْمِ الْإِمَامَةِ يَتَنَاوَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَالْأَنْبِيَاءُ عليهم السلام فِي أَعْلَى رُتْبَةِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ وَالْقُضَاةُ الْعُدُولُ وَمَنْ أَلْزَمَ اللَّهُ تَعَالَى الِاقْتِدَاءَ بِهِمْ، ثُمَّ الْإِمَامَةُ فِي الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عليه السلام