أبي رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) . وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس وهو يقول: (أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر) . وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معديكرب بمعناه وقال: حديث حسن غريب. والقاطع قوله تعالى:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة" [النور: 63] الآية. وسيأتي.
قوله تعالى:"ذلك خير"أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التنازع."وأحسن تأويلا"أي مرجعا؛ من آل يؤول إلى كذا أي صار. وقيل: من ألت الشيء إذا جمعته وأصلحته. فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه؛ يقال: أول الله عليك أمرك أي جمعه. ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم.
والله وحده هو صاحب الحق في وضع هذا المنهج بلا شريك. والدين هو الأتباع والطاعة للقيادة الربانية التي لها وحدها حق الطاعة والاتباع، ومنها وحدها يكون التلقي، ولها وحدها يكون الاستسلام ..
فالمجتمع المسلم مجتمع له قيادة خاصة - كما له عقيدة خاصة وتصور خاص - قيادة ربانية متمثلة في رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وفيما يبلغه عن ربه مما هو باق بعده من شريعة الله ومنهجه. وتبعية هذا المجتمع لهذه القيادة هي التي تمنحه صفة الإسلام وتجعل منه"مجتمعا مسلما". وبغير هذه التبعية المطلقة لا يكون"مسلما"بحال. وشرط هذه التبعية هو التحاكم إلى الله والرسول، ورد الأمر كله إلى الله، والرضى بحكم رسوله وتنفيذه مع القبول والتسليم.
وتبلغ نصوص السورة في بيان هذه الحقيقة، وتقرير هذا الأصل، مبلغا حاسما جازما، لا سبيل للجدال فيه، أو الاحتيال عليه، أو تمويهه وتلبيسه، لأنها من القوة والوضوح والحسم بحيث لا تقبل الجدال!
وتقرير هذا المبدأ الأساسي يتمثل في نصوص كثيرة كثرة واضحة في السورة. وسيجيء استعراضها التفصيلي في مكانها من السياق. فنكتفي هنا بذكر بعضها إجمالا:
يتمثل على وجه الإجمال في آية الافتتاح في السورة: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة .... كما يتمثل في مثل هذه الآيات: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ... [آية 36] .. إن الله لا يغفر أن يشرك به؛ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .. [آية 48] ..
ويتمثل على وجه التخصيص والتحديد في مثل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. ذلك خير وأحسن تأويلا. ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا. وإذا