فهرس الكتاب

الصفحة 450 من 677

وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاَللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} فَقَسَّمَ الْأَمْرَ بَيْنَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جَعَلَهُ هُوَ سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا وَأَوْحَى إلَيْهِ الْعَمَلَ بِهَا وَأَمَرَ الْأُمَّةَ بِهَا وَبَيَّنَ اتِّبَاعَ أَهْوَاءِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ؛ فَأَمَرَ بِالْأَوَّلِ، وَنَهَى عَنْ الثَّانِي. وَقَالَ تَعَالَى {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْمُنَزَّلِ مِنْهُ خَاصَّةً: وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ اتَّبَعَ غَيْرَهُ فَقَدْ اتَّبَعَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا} فَأَمَرَ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ، وَأَعَادَ الْفِعْلَ إعْلَامًا بِأَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ تَجِبُ اسْتِقْلَالًا مِنْ غَيْرِ عَرْضِ مَا أَمَرَ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، بَلْ إذَا أَمَرَ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ كَانَ مَا أَمَرَ بِهِ فِي الْكِتَابِ أَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَإِنَّهُ أُوتِيَ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، وَلَمْ يَامُرْ بِطَاعَةِ أُولِي الْأَمْرِ اسْتِقْلَالًا، بَلْ حَذَفَ الْفِعْلَ وَجَعَلَ طَاعَتَهُمْ فِي ضِمْنِ طَاعَةِ الرَّسُولِ؛ إيذَانًا بِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُطَاعُونَ تَبَعًا لِطَاعَةِ الرَّسُولِ، فَمَنْ أَمَرَ مِنْهُمْ بِطَاعَةِ الرَّسُولِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ، وَمَنْ أَمَرَ بِخِلَافِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَلَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ كَمَا صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} وَقَالَ: {إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ} وَقَالَ فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ: {مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلَا سَمْعَ لَهُ وَلَا طَاعَةَ} . وَقَدْ {أَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم عَنْ الَّذِينَ أَرَادُوا دُخُولَ النَّارِ لَمَّا أَمَرَهُمْ أَمِيرُهُمْ بِدُخُولِهَا: إنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا} مَعَ أَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَدْخُلُونَهَا طَاعَةً لِأَمِيرِهِمْ، وَظَنًّا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ لَمَّا قَصَّرُوا فِي الِاجْتِهَادِ وَبَادَرُوا إلَى طَاعَةِ مَنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَحَمَلُوا عُمُومَ الْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ بِمَا لَمْ يُرِدْهُ الْآمِرُ صلى الله عليه وسلم وَمَا قَدْ عُلِمَ مِنْ دِينِهِ إرَادَةُ خِلَافِهِ، فَقَصَّرُوا فِي الِاجْتِهَادِ وَأَقْدَمُوا عَلَى تَعْذِيبِ أَنْفُسِهِمْ وَإِهْلَاكِهَا مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَتَبَيُّنٍ هَلْ ذَلِكَ طَاعَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أَمْ لَا، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ أَطَاعَ غَيْرَهُ فِي صَرِيحِ مُخَالَفَةِ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ؟ ثُمَّ أَمَرَ تَعَالَى بِرَدِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ فِي الْعَاجِلِ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا فِي الْعَاقِبَةِ.

وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا أُمُورًا: مِنْهَا أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ قَدْ يَتَنَازَعُونَ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ وَلَا يَخْرُجُونَ بِذَلِكَ عَنْ الْإِيمَانِ، وَقَدْ تَنَازَعَ الصَّحَابَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، وَهُمْ سَادَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْمَلُ الْأُمَّةِ إيمَانًا، وَلَكِنْ بِحَمْدِ اللَّه لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ كُلُّهُمْ عَلَى إثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، مِنْ أَوَّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ، لَمْ يَسُومُوهَا تَاوِيلًا، وَلَمْ يُحَرِّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا تَبْدِيلًا، وَلَمْ يُبْدُوا لِشَيْءٍ مِنْهَا إبْطَالًا، وَلَا ضَرَبُوا لَهَا أَمْثَالًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا فِي صُدُورِهَا وَأَعْجَازِهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقهَا وَحَمْلِهَا عَلَى مَجَازِهَا، بَلْ تَلْقَوْهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَابَلُوهَا بِالْإِيمَانِ وَالتَّعْظِيمِ، وَجَعَلُوا الْأَمْرَ فِيهَا كُلِّهَا أَمْرًا وَاحِدًا، وَأَجْرَوْهَا عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ حَيْثُ جَعَلُوهَا عِضِينَ، وَأَقَرُّوا بِبَعْضِهَا وَأَنْكَرُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْقَانٍ مُبِينٍ، مَعَ أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمْ فِيمَا أَنْكَرُوهُ كَاللَّازِمِ فِيمَا أَقَرُّوا بِهِ وَأَثْبَتُوهُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ لَا يُخْرِجُهُمْ تَنَازُعُهُمْ فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ إذَا رَدُّوا مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت