فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 677

أَيْدِينَا مِنْ السَّبَايَا وَاجْتَمَعَتْ النَّصَارَى، فَجَعَلْنَا نَاتِي بِالرَّجُلِ مِمَّنْ فِي أَيْدِينَا، ثُمَّ نُخَيِّرُهُ بَيْنَ الإسلام وَبَيْنَ النَّصْرَانِيَّةِ، فَإِذَا اخْتَارَ الإسلام كَبَّرْنَا تَكْبِيرَةً هِيَ أَشَدُّ مِنْ تَكْبِيرِنَا حِينَ نَفْتَحُ الْقَرْيَةَ، ثُمَّ نَحُوزُهُ إلَيْنَا. وَإِذَا اخْتَارَ النَّصْرَانِيَّةَ نَخَرَتْ النَّصَارَى - أَيْ أَخْرَجُوا أَصْوَاتًا مِنْ أُنُوفِهِمْ - ثُمَّ حَازُوهُ إلَيْهِمْ وَوَضَعْنَا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَجَزِعْنَا مِنْ ذَلِكَ جَزَعًا شَدِيدًا حَتَّى كَأَنَّهُ رَجُلٌ خَرَجَ مِنَّا إلَيْهِمْ .. فَكَانَ ذَلِكَ الدَّابُ حَتَّى فَرَغْنَا مِنْهُمْ"."

أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ:

31 -اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ: فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُقْبَلُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ الْعَجَمِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الإسلام، فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا قُتِلُوا. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ} . {مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} . فَالْآيَةُ تَقْضِي بِجَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً، وَلَا دَلَالَةَ لِلَّفْظِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ - بِسَنَدِهِ - إلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نَفْسَهُ وَمَالَهُ إلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ} . فَالْحَدِيثُ عَامٌّ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُولِ الْجِزْيَةِ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسَ فَمَنْ عَدَاهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ يَبْقَى عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ، فَلَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ عَبَدَةٍ الْأَوْثَانِ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَرَبًا أَمْ عَجَمًا وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مُقَدِّمَةٌ (سَابِقَةٌ) مِنْ التَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَشَرِيعَةِ الإسلام، فَلَا حُرْمَةَ لِمُعْتَقَدِهِمْ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَأَخَذَ بِهَا هُوَ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ وَكَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ حَكَاهَا عَنْهُ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ، ذَهَبُوا إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ.} فَهُوَ خَاصٌّ بِمُشْرِكِي الْعَرَبِ، لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ.} وَهِيَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي كَانَ الْعَرَبُ يُحَرِّمُونَ الْقِتَالَ فِيهَا. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَاخُذْ الْجِزْيَةَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ. رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَالَحَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ عَلَى الْجِزْيَةِ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَرَبِ.} وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ:"أَجْمَعُوا عَلَى {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَبَى أَخْذَ الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إلَّا الإسلام أَوْ السَّيْفَ} . وَاسْتَدَلُّوا مِنْ الْمَعْقُولِ: بِأَنَّ كُفْرَهُمْ قَدْ تَغَلَّظَ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَشَأَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَالْقُرْآنَ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْرَفَ بِمَعَانِيهِ وَوُجُوهِ الْفَصَاحَةِ فِيهِ. وَكُلُّ مَنْ تَغَلَّظَ كُفْرُهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إلَّا الإسلام، أَوْ السَّيْفُ لقوله تعالى: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنْ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إلَى قَوْمٍ أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} أَيْ تُقَاتِلُونَهُمْ إلَى أَنْ يُسْلِمُوا. وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي قَوْلٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ إلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَلُ مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ، وَمِنْهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ، سَوَاءٌ أَكَانُوا مِنْ الْعَرَبِ، أَمْ مِنْ الْعَجَمِ، وَسَوَاءٌ أَكَانُوا قُرَشِيِّينَ أَمْ غَيْرَ قُرَشِيِّينَ. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت