بسبب آخر ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه فأسند الفعل إليهم لكون فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعا والمعنى أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها أو تهيأ لفعلها ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية وأجل الفرائض الشرعية ولهذا كان تاركه شريكا لفاعل المعصية ومستحقا لغضب الله وانتقامه كما وقع لأهل السبت فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم كما مسخ المعتدين فصاروا جميعا قردة وخنازير إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ثم إن الله سبحانه قال مقبحا لعدم التناهي عن المنكر لبئس ما كانوا يفعلون أي من تركهم لإنكار ما يجب عليهم إنكاره ترى كثيرا منهم أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه يتولون الذين كفروا أي المشركين وليسوا على دينهم لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أي سولت وزينت أو ما قدموه لأنفسهم ليردوا عليه يوم القيامة والمخصوص بالذم هو أن سخط الله عليهم أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو هو سخط الله عليهم على حذف المبتدإ وقيل هو أي أن سخط الله عليهم بدل من ما ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي أي نبيهم وما أنزل إليه من الكتاب ما اتخذوهم أي المشركين أولياء لأن الله سبحانه ورسوله المرسل إليهم وكتابه المنزل عليهم قد نهوهم عن ذلك ولكن كثيرا منهم فاسقون أي خارجون عن ولاية الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله لا تغلوا في دينكم يقول لا تبتدعوا وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال كانوا مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولدا وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله وضلوا عن سواء السبيل قال يهود وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل فيقول له يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود إلى قوله فاسقون ثم قال كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا وقد روي هذا الحديث من طرق كثيرة والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا فلا نطول بذكرها
قال تعالى في سورة سبأ? وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ {31} قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ {32} وَقَالَ