فسيح جد فسيح للعقل البشري. وحسبهم كذلك أن يحاول هذا العقل تطبيق ذلك المنهج؛ ويدرك مواضع القياس والاجتهاد فيما تتنازع فيه العقول.
ومنهج من مزاياه أن صانعه هو صانع هذا الكون، الذي يعيش فيه الإنسان. فهو يضمن للإنسان منهجا تتلاءم قواعده مع نواميس الكون؛ فلا يروح يعارك هذه النواميس. بل يروح يتعرف إليها، ويصادقها، وينتفع بها .. والمنهج يهديه في هذا كله ويحميه.
ومنهج من مزاياه أنه - في الوقت الذي يهدي فيه الإنسان ويحيميه - يكرمه ويحترمه ويجعل لعقله مكانا للعمل في المنهج .. مكان الاجتهاد في فهم النصوص الواردة. ثم الاجتهاد في رد ما لم يرد فيه نص إلى النصوص أو إلى المبادى ء العامة للدين .. ذلك إلى المجال الأصيل، الذي يحكمه العقل البشري، ويعلن فيه سيادته الكاملة: ميدان البحث العلمي في الكون؛ والإبداع المادي فيه. ذلك خير وأحسن تأويلًا .. وصدق الله العظيم.
ففي الأم للشافعي:
كَرَاهِيَةُ الْإِمَامَةِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) : رحمه الله تعالى رَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {يَاتِي قَوْمٌ فَيُصَلُّونَ لَكُمْ فَإِنْ أَتَمُّوا كَانَ لَهُمْ وَلَكُمْ وَإِنْ نَقَصُوا كَانَ عَلَيْهِمْ وَلَكُمْ} (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ اللَّهُمَّ فَأَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ} (قَالَ الشَّافِعِيُّ) : فَيُشْبِهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ - إنْ أَتَمُّوا فَصَلُّوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَجَاءُوا بِكَمَالِ الصَّلَاةِ فِي إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ وَالْخُشُوعِ وَالتَّسْبِيحِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَإِكْمَالِ التَّشَهُّدِ وَالذِّكْرِ فِيهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَايَةُ التَّمَامِ وَإِنْ أَجْزَأَ أَقَلَّ مِنْهُ فَلَهُمْ وَلَكُمْ وَلَا فَعَلَيْهِمْ تَرْكُ الِاخْتِيَارِ بِعَمْدِ تَرْكِهِ وَلَكُمْ مَا نَوَيْتُمْ مِنْهُ فَتَرَكْتُمُوهُ لِاتِّبَاعِهِ بِمَا أُمِرْتُمْ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي الصَّلَاةِ فِيمَا يُجْزِئُكُمْ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَفْضَلَ مِنْهُ فَعَلَيْهِمْ التَّقْصِيرُ فِي تَاخِيرِ الصَّلَاةِ عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَالْإِتْيَانِ بِأَقَلَّ مَا يَكْفِيهِمْ مِنْ قِرَاءَةٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ دُونَ أَكْمَلِ مَا يَكُونُ مِنْهَا وَإِنَّمَا عَلَيْكُمْ اتِّبَاعُهُمْ فِيمَا أَجْزَأَ عَنْكُمْ وَعَلَيْهِمْ التَّقْصِيرُ مِنْ غَايَةِ الْإِتْمَامِ وَالْكَمَالِ وَيُحْتَمَلُ ضُمَنَاءُ لِمَا غَابُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمُخَافَتَةِ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فَأَمَّا أَنْ يَتْرُكُوا ظَاهِرًا أَكْثَرَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَذْهَبَ الْوَقْتُ، أَوْ لَمْ يَاتُوا فِي الصَّلَاةِ بِمَا تَكُونُ مِنْهُ الصَّلَاةُ مُجْزِئَةً فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ اتِّبَاعُهُمْ وَلَا تَرْكُ الصَّلَاةِ حَتَّى يَمْضِيَ وَقْتُهَا وَلَا صَلَاتُهَا بِمَا لَا يُجْزِئُ فِيهَا. وَعَلَى النَّاسِ أَنْ يُصَلُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ جَمَاعَةً مَعَ غَيْرِ مَنْ يَصْنَعُ هَذَا مِمَّنْ يُصَلِّي لَهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلِيلُ مَا وَصَفْت قِيلَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرَدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} وَيُقَالُ نَزَلَتْ فِي أُمَرَاءِ السَّرَايَا وَأُمِرُوا إذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ وَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيهِ أَنْ يَرُدُّوهُ إلَى حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ حُكْمِ الرَّسُولِ فَحُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُؤْتَى بِالصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ وَبِمَا تُجْزِئُ بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ أَمَرَكُمْ مِنْ الْوِلَايَةِ بِغَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ فَلَا تُطِيعُوهُ} فَإِذَا أَخَّرُوا