فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 677

انفروا خفافًا وثقالًا.

وروى كذلك بإسناده - عن حيان بن زيد الشرعبي قال: نفرنا مع صفوان بن عمرو، وكان واليًا على حمص قبل الأفسوس إلى الجراجمة فرأيت شيخا كبيرًا هما، قد سقط حاجباه على عينيه من أهل دمشق على راحلته فيمن أغار، فأقبلت إليه فقلت: يا عم لقد أعذر اللّه إليك. قال: فرفع حاجبيه فقال يا ابن أخي استنفرنا اللّه، خفافًا وثقالًا. ألا إنه من يحبه اللّه يبتليه، ثم يعيده فيبقيه، وإنما يبتلي اللّه من عباده من شكر وصبر وذكر، ولم يعبد إلا اللّه عز وجل.

وبمثل هذا الجد في أخذ كلمات اللّه انطلق الإسلام في الأرض، يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة اللّه وحده، وتمت تلك الخارقة في تلك الفتوح التحريرية الفريدة.

قال تعالى في سورة الأنفال {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ 30}

يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله:

إنه التذكير بما كان في مكة، قبل تغير الحال، وتبدل الموقف. وإنه ليوحي بالثقة واليقين في المستقبل؛ كما ينبه إلى تدبير قدر الله وحكمته فيما يقضي به ويأمر .. ولقد كان المسلمون الذين يخاطبون بهذا القرآن أول مرة، يعرفون الحالين معرفة الذي عاش ورأى وذاق. وكان يكفي أن يذكروا بهذا الماضي القريب، وما كان فيه من خوف وقلق؛ في مواجهة الحاضر الواقع وما فيه من أمن وطمأنينة .. وما كان من تدبير المشركين ومكرهم برسول الله [صلى الله عليه وسلم] في مواجهة ما صار إليه من غلبة عليهم، لا مجرد النجاة منهم!

لقد كانوا يمكرون ليوثقوا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] ويحبسوه حتى يموت؛ أو ليقتلوه ويتخلصوا منه؛ أو ليخرجوه من مكة منفيا مطرودا .. ولقد ائتمروا بهذا كله ثم اختاروا قتله؛ على أن يتولى ذلك المنكر فتية من القبائل جميعا؛ ليتفرق دمه في القبائل؛ ويعجز بنو هاشم عن قتال العرب كلها، فيرضوا بالدية وينتهي الأمر!

قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجريري، عن مقسم مولى ابن عباس، أخبره ابن عباس في قوله: وإذ يمكر بك ... قال:"تشاورت قريش ليلة بمكة. فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي [صلى الله عليه وسلم] - وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيه [صلى الله عليه وسلم] على ذلك؛ فبات عليّ - رضي الله عنه - على فراش رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وخرج النبي [صلى الله عليه وسلم] حتى لحق بالغار. وبات المشركون يحرسون عليا يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما أصبحوا ثاروا إليه؛ فلما رأوه عليا رد الله تعالى عليهم مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري! فاقتصوا أثره؛ فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه .. فمكث فيه ثلاث ليال".

ويمكرون ويمكر الله، والله خير الماكرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت