إذ هما في الغار.
والقوم على إثرهما يتعقبون، والصديق - رضي اللّه عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعوا عليهما فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب، يقول له: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه. والرسول - [صلى الله عليه وسلم] - وقد أنزل اللّه سكينته على قلبه، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له: يا أبا بكر ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما؟.
ثم ماذا كانت العاقبة، والقوة المادية كلها في جانب، والرسول - [صلى الله عليه وسلم] - مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند اللّه بجنود لم يرها الناس. وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى.
وظلت كلمة اللّه في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة:
وكلمة اللّه هي العليا..
وقد قرئ وكلمة اللّه بالنصب. ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى. لأنها تعطي معنى التقرير. فكلمة اللّه هي العليا طبيعة وأصلًا، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة. واللّه عزيز لا يذل أولياؤه حكيم يقدر النصر في حينه لمن يستحقه.
ذلك مثل على نصرة اللّه لرسوله ولكلمته؛ واللّه قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون. وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول اللّه إلى دليل!
وفي ظلال هذا المثل الواقع المؤثر يدعوهم إلى النفرة العامة، لا يعوقهم معوق. ولا يقعد بهم طارئ، إن كانوا يريدون لأنفسهم الخير في هذه الأرض وفي الدار الاخرة:
انفروا خفافًا وثقالًا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
انفروا في كل حال، وجاهدوا بالنفوس والأموال، ولا تتلمسوا الحجج والمعاذير، ولا تخضعوا للعوائق والتعلات.
ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون.
وأدرك المؤمنون المخلصون هذا الخير، فنفروا والعوائق في طريقهم، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار. ففتح اللّه عليهم القلوب والأرض ين، وأعز بهم كلمة اللّه، وأعزهم بكلمة اللّه، وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح.
قرأ أبو طلحة - رضي اللّه عنه - سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال: أرى ربنا استنفرنا شيوخًا وشبانًا، جهزوني يا بني. فقال بنوه: يرحمك اللّه قد غزوت مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم حتى مات، ومع أبي بكر حتى مات، ومع عمر حتى مات، فنحن نغزو عنك. فأبى فركب البحر فمات، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام، فلم يتغير، فدفنوه بها.
وروى ابن جرير بإسناده - عن أبي راشد الحراني قال:"وافيت المقداد بن الأسود فارس رسول اللّه - [صلى الله عليه وسلم] - جالسًا على تابوت من توابيت الصيارفة، وقد فضل عنها من عظمه يريد الغزو؛ فقلت له قد قد أعذر اللّه إليك. فقال: أتت علينا سورة البعوث."