كلها تشي بالهول الذي تشخص فيه الأبصار..
هذا هو اليوم الذي يؤخرهم الله إليه، والذي ينتظرهم بعد الإمهال هناك. فأنذر الناس أنه إذا جاء فلا اعتذار يومئذ ولا فكاك..
وهنا يرسم مشهدا آخر لليوم الرعيب المنظور:
وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب، فيقول الذين ظلموا: ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل. أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟!
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم، وتبين لكم كيف فعلنا بهم، وضربنا لكم الأمثال؟.. أنذرهم يوم يأتيهم ذلك العذاب المرسوم آنفا، فيتوجه الذين ظلموا يومئذ إلى الله بالرجاء، يقولون: ربنا..
الآن وقد كانوا يكفرون به من قبل ويجعلون له أندادا!
أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل..
وهنا ينقلب السياق من الحكاية إلى الخطاب. كأنهم ماثلون شاخصون يطلبون. وكأننا في الآخرة وقد انطوت الدنيا وما كان فيها. فها هو ذا الخطاب يوجه إليهم من الملأ الأعلى بالتبكيت والتأنيب، والتذكير بما فرط منهم في تلك الحياة:
أو لم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال؟!..
فكيف ترون الآن؟! زلتم يا ترى أم لم تزولوا؟!
ولقد قلتم قولتكم هذه وآثار الغابرين شاخصة أمامكم مثلا بارزا للظالمين ومصيرهم المحتوم:
وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال. فكان عجيبا أن تروا مساكن الظالمين أمامكم، خالية منهم، وأنتم فيها خلفاء، ثم تقسمون مع ذلك:
ما لكم من زوال!
وعند هذا التبكيت ينتهي المشهد، وندرك أين صاروا، وماذا كان بعد الدعاء وخيبة الرجاء. وإن هذا المثل ليتجدد في الحياة ويقع كل حين. فكم من طغاة يسكنون مساكن الطغاة الذين هلكوا من قبلهم. وربما يكونون قد هلكوا على أيديهم. ثم هم يطغون بعد ذلك ويتجبرون؛ ويسيرون حذوك النعل بالنعل سيرة الهالكين؛ فلا تهز وجدانهم تلك الآثار الباقية التي يسكنونها، والتي تتحدث عن تاريخ الهالكين، وتصور مصائرهم للناظرين. ثم يؤخذون إخذة الغابرين، ويلحقون بهم وتخلو منهم الديار بعد حين!
14.إذا لم يكن القتال بين الحق الجلي، والباطل الجلي، فالنصر للأقوى ولذا فإن الله تعالى يسلط الظالمين على الظالمين فيسحقونهم وهذه المعركة لم تكن بين الحق والباطل بشكل واضح
قال تعالى في سورة الأنعام {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ 129}
يقول الإمام القرطبي: