العرباض بن ساريه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا، في الذين يُتوفون من الطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول المتوفون على فرشهم إخواننا ماتوا كما متنا، فيقول ربنا انظروا إلى جراحهم فإن أشبه جراحهم جراح المقتولين، فإنهم منهم ومعهم، فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم ..."..
والمقصود من الحديث أن الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله يرجون من الله تعالى أن يكون الذين يُتوفون من الطاعون مثل الشهداء في نيل الثواب العظيم، الذي أعده الله للشهداء، ويقولون: ربنا إخواننا هؤلاء قُتلوا كما قتلنا في سبيلك، لأنهم صبروا على قضاء الله حتى ماتوا بالطاعون، الذي هو من تقدير الله، كما صبر الشهداء في الحرب وثبتوا، لذلك هم يرجون لهم أجر الشهداء. ويقول الذين ماتوا على فرشهم بالطاعون: إخواننا ماتوا مثلما متنا، أي على فرشهم، فكيف يُعطَون أجر الشهداء الذين باعوا أنفسهم لله، وقتلوا في سبيل الله؟ فيقول الله تعالي لهم جميعا: انظروا الي جراحهم التي مستهم من الطاعون، فإن أشبهت جراحهم جراح الشهداء فإنهم الشهداء مع الشهداء، فينظرون إلى جراحهم فإذا هي مثل جراح الشهداء، ويُسمى هؤلاء -كما سبق القول- شهداء الآخرة فقط، فلا يجري عليهم حكم الشهيد في المعركة في ترك غُسله والصلاة عليه. وإننا نرجو لإخواننا المجاهدين أن تكون نيتهم وعزيمتهم متوجهة لله وحده، أملا في نيل شهادة الدنيا والآخرة، لينالوا الأجور كاملة من الله، ومن ثم من العباد في الدنيا بالتمجيد وطيب الذكر.
ولا يستطيع الإنسان أن يتغلب على المثبطات الذاتية والشيطانية -المتمثلة في حب البقاء، وحب المال والولد، وحب الضياع والممتلكات، وحب النساء {زُين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، ذلك متاع الحياة الدنيا} (آل عمران - 14) ، أما المثبطات الشيطانية فتتمثل في تخويف الشيطان للمجاهدين، وتذكيرهم وقت الزحف بأموالهم وأولا دهم وزوجاتهم وأنها ستُنكح من بعدهم ... الخ
ولا يتخلص الإنسان من هذه المثبطات إلا إذا كان ممتلئًا بالإيمان وإلا إذا كانت الحوافز التي ينتظرها أكبر بكثير من المثبطات، وان أكبر الحوافز التي أعدها الله للمجاهدين هي الجنة ودرجاتها العليا والتي قال عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام:"إن الله أعد لعبادة في الجنة ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر"وقال الله عنها مخاطبًا نبيه: {وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى} (الضحى-5) . ولما مر رسول الله عليه الصلاة والسلام على آل ياسر (ياسر وزوجته وولده عمار) رضي الله عنهم وهم يُعَذبون، لم يزد على قوله:"صبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"ولما بايع النبي عليه الصلاة والسلام المسلمين في بيعة العقبة الثانية على الإسلام وعلى أن يدافعوا عنه ويحموه مما يدافعون به عن أنفسهم وأهليهم وأموالهم، قالوا له: وما لنا إن فعلنا ذلك؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام -كلمة واحدة-"الجنة". قالوا ربح البيع ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل". ورفض الله سبحانه وتعالى أن يساوي بين سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام بالمؤمنين المجاهدين بقولة: أجعلتم سقاية الحاج"