نادى منادٍ: من كان أشرك في عمل عمله لله، فليطلب ثوابه من عند غير الله، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك"رواه ابن ماجة. ووفقا لهذه المقدمة وبما أن الجهاد عبادة يتقرب بها العبد من الله سبحانه، فيجب أن يكون الجهاد في سبيل الله خالصا من الحظوظ الذاتية أو المكاسب المادية، التي قد يبتغيها المجاهد من وراء جهاده، فالمجاهد أحيانا يحب أن يُرى بين الناس، أو أن يُشار إليه بالبنان بأنه مجاهد، وقد يبتغي منصبا أو مكانة من وراء مشاركته الجهادية، وهذا كله يحبط العمل ويضيع الأجر، ودليلنا في ذلك سؤال الرجل لرسول الله عليه الصلاة والسلام حين قال: يا رسول الله إنني أقاتل في سبيل الله وأحب أن تُرى مكانتي بين الناس، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". ويعزز ذلك حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي يقول فيه:"إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه، رجل استُشهد فأُتي به فعرّفه نِعَمَة فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل، ثم أُمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار ...". وبناءً عليه يجب على المجاهد في سبيل الله أن يروض نفسه ترويضا شاقا ويحاسبها حسابا عسيرا، حتى تتجرد من كل العوالق الذاتية والمادية، وتحتسب كل فعل تقوم به صغيرا أو كبيرا في سبيل الله، حتى تنال عليه الأجر كاملا، ولا تشرك فيه مع الله شيئا. وإمامنا في ذلك موقف الإمام علي رضي الله عنه، حين تمكن من أحد المشركين فهمّ بقتله، فإذا بالمشرك يبصق في وجهه، فيتركه ويعود، وحين سُئل لماذا لم تقتله؟ قال خشيت أن أقتله انتقاما لذاتي، فيكون في ذلك شرك مع الله ...".
وبهذا الخصوص نشير إلى أن علماءنا الأفاضل قسّموا الشهداء إلى ثلاث فئات: الأول: شهيد الدنيا والآخرة: وهو الذي يُقتل مجاهدا في سبيل الله، مخلصا في نيته، وكما وصفه رسول الله عليه الصلاة والسلام بصابر محتسب مقبل غير مدبر فهو عند الله شهيد وعند الناس شهيد. الثاني: شهيد الآخرة: وهو الذي ينطبق عليه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام حين سأل أصحابه:"ما تعدّون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، قال إن شهداء أمتي إذن لقليل، قالوا فمن هم يا رسول الله؟ قال: من قُتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات من الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد. قال ابن المقسم أشهد على أبيك أنه قال: والغريق شهيد"، إذن الذي يموت في سبيل الله في طلب العلم أو في الغربة فهو شهيد، ومن مات بالطاعون أو بمرض في بطنه أو غريقا أو في حريق ... الخ فهو شهيد، وهذا يعتبر عند الله شهيدا ولكن في مرتبة أدنى من مرتبة الشهداء الذين يسقطون على أرض المعركة، لكن هؤلاء في حس الناس ووجدانهم الدنيوي ليسوا بشهداء، أو لا يتعاملون معهم كشهداء المعارك والمقاومة. أي أنهم يُغسلون ويُكفنون ويُصلى عليهم. ثالثا: شهيد الدنيا: وهو الذي يحسبه الناس شهيدا، لأنه سقط في المعركة، ولكنه كان يقاتل حمية أو شجاعة أو من قاعد فكرية غير قاعدة الإسلام، مثل الأفكار العلمانية أو الماركسية، إن كان معتقدا بها ويقاتل تحت مظلتها فيُقتل فيصبح بذلك شهيد دنيا، ولا شيء له في الآخرة لأنه ينطبق عليه الحديث القدسي:"أنا أغنى الشركاء عن الشرك وجاء في الحديث الذي يرويه النسائي في سننه عن"