يكون فيه نص قاطع، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق .. مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام - فإنه لم يترك كذلك تيها. ولم يترك بلا ميزان. ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع .. ووضع هذا النص القصير، منهج الاجتهاد كله، وحدده بحدوده؛ وأقام"الأصل"الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا
فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ..
ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا. فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو، فردوه إلى المبادى ء الكلية العامة في منهج الله وشريعته .. وهذه ليست عائمة، ولا فوضى، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول. وهناك - في هذا الدين - مبادى ء أساسية واضحة كل الوضوح، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية، وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوط بميزان هذا الدين.
إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ..
تلك الطاعة لله والطاعة للرسول، ولأولي الأمر المؤمنين القائمين على شريعة الله وسنة الرسول. ورد ما يتنازع فيه إلى الله والرسول .. هذه وتلك شرط الإيمان بالله واليوم الآخر. كما أنها مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر ..
فلا يوجد الإيمان ابتداء وهذا الشرط مفقود .. ولا يوجد الإيمان، ثم يتخلف عنه أثره الأكيد.
وبعد أن يضع النص المسألة في هذا الوضع الشرطي، يقدمها مرة أخرى في صورة"العظة"والترغيب والتحبيب؛ على نحو ما صنع في الأمر بالأمانة والعدل ثم التحبيب فيها والترغيب:
ذلك خير وأحسن تأويلا ..
ذلك خير لكم وأحسن مآلا. خير في الدنيا وخير في الآخرة. وأحسن مآلا في الدنيا وأحسن مآلا في الآخرة كذلك .. فليست المسألة أن اتباع هذا المنهج يؤدي إلى رضاء الله وثواب الآخرة - وهو أمر هائل، عظيم - ولكنه كذلك يحقق خير الدنيا وحسن مآل الفرد والجماعة في هذه الحياة القريبة.
أن هذا المنهج معناه: أن يستمتع"الإنسان"بمزايا منهج يضعه له الله .. الله الصانع الحكيم العليم البصير الخبير .. منهج بريء من جهل الإنسان، وهوى الإنسان، وضعف الإنسان. وشهوة الإنسان .. منهج لا محاباة فيه لفرد، ولا لطبقة، ولا لشعب، ولا لجنس، ولا لجيل من البشر على جيل .. لأن الله رب الجميع، ولا تخالجه - سبحانه - وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - شهوة المحاباة لفرد، أو طبقة، أو شعب، أو جنس، أو جيل.
ومنهج من مزاياه، أن صانعه هو صانع هذا الإنسان .. الذي يعلم حقيقة فطرته، والحاجات الحقيقية لهذه الفطرة، كما يعلم منحنيات نفسه ودروبها؛ ووسائل خطابها وإصلاحها، فلا يخبط - سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا - في تيه التجارب بحثا عن منهج يوافق. ولا يكلف البشر ثمن هذه التجارب القاسية، حين يخبطون هم في التيه بلا دليل! وحسبهم أن يجربوا في ميدان الإبداع المادي ما يشاءون. فهو مجال