الخير الذي يفعله، والشر الذي يتركه مفصلًا في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، جدير بالإقدام على كل خير مستطاع وترك كل شر. الذي يعلم أن هذا الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما بعث رحمة للناس، يهديهم ويزكيهم بما جاءه من عند ربه، وأن محبته مقدمة على محبة النفس والأهل والمال والولد، وأن تحقيق محبته إنما تتم بطاعته وطاعة ربه، إن الذي يعلم ذلك لخليق بأن يكون محبًا للعلم النافع والعمل الصالح، مهتديًا بكتاب الله وسنة رسوله مبتعدًا عما خالف ذلك. والذي يعلم أن الله تعالى قد أرصد له مراقبين لا يغيبان عنه، مكنهما تعالى من معرفة كل ما يفعله أو يقوله، ويكتبانه وهو لا يدري عنهما ولا يراهما، وكل شيء يكتبانه محسوب عليه أو له، إن الذي يعلم ذلك ليستحي أن يفعل منكرًا أو يترك معروفًا. فإذا علم أن آخرين من الملائكة يتولون قبض روحه عند موته، إما ملائكة الرحمة إن كان محسنًا، وإما ملائكة العذاب إن كان مسيئًا، وأن ملكين يسألانه في قبره عما عمل في الدنيا، فإن كان محسنًا رأى منهما ما يسره، وإن كان مسيئًا رأى ما يسوءه، وأن طائفة أخرى منهم يستقبلونه بالبشرى والسرور ليدخل الجنة إن كان محسنًا، وطائفة تستقبله بالتأنيب والتقريع إن كان مسيئًا، ليدخل النار، إن الذي يعلم ذلك لقمين أن يكثر من طاعة الله ويبتعد عن معاصيه، ويسعى في نفع الناس وترك ما يضرهم. وإن الذي يعلم أن الله تعالى هو واهب الحياة والرزق اللذين لا يقدر أحد على نقص شيء منهما أو زيادة شيء فيهما، لَيعيش مطمئنا في حياته راضي النفس، سعيدًا بما قسم الله له، بعيدًا عن منافسة الناس في أرزاقهم وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، أو الاعتداء على شيء من مصالحهم. وتظهر ثمرة العلم النافع والعمل الصالح في سرعة الاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، في كل نشاط يقوم به الإنسان، بخلاف من لم ينل هذا العلم الرباني والعمل به. فإن الناس كلهم لو اجتمعوا على إنسان لم يقدروا على جعل الإنسان يستجيب لقوانين البشر، إلا إذا علم أن منفذ القانون مطلع عليه قادر على عقابه، ومن الذي يقدر أن يكشف كل معصية يعاقب عليها القانون، إن كانت معصية؟ وإذا اطلع أحد فمن الذي عنده القدرة التامة على إمساكه ومجازاته في كل لحظة من لحظات حياته؟ من يقدر على الكشف الكامل والعقاب غير الخالق؟ وتظهر ثمرة العلم النافع والعمل الصالح في سرعة رجوع العاصي إلى ربه وتوبته من ذنبه عندما تغلبه بشريته، وهو غير معصوم. وتظهر ثمرة ذلك في اعتراف المذنب بذنبه طمعًا في المغفرة وخوفًا من العقاب، وهو ما يعانيه العالَم الآن من صعوبة إثبات الجريمة على المجرم وهو بين ظهرانيهم. وثمرات العلم النافع يصعب إحصاؤها، ولكنها تحقق في الفرد العالم العامل سعيه الحثيث إلى عمل كل ما يرضي الله ويجتنب كل ما يسخطه، وهذا هو الأمن الذي ينشده العالم.
(2) إن تكوين الأسرة الصالحة، وهي تبدأ باختيار الزوج الصالح والمرأة الصالحة، وعلم كل فرد من أفراد الأسرة بما له من حقوق، فلا يطلب أكثر منها، وما عليه من واجبات لغيره فيؤديها. الزوج يؤدي حقوق المرأة، والمرأة تؤدي حقوق الزوج، والابن يؤدي حقوق الوالدين، والوالدان يقومان بحقوق الأولاد، وكل فرد يقوم بحق الآخر، وكل منهم يعتبر أداء حقوق الآخرين عبادة لله وطاعة له، فإذا قصر أحد منهم في حقوق غيره قومه الآخرون من أفراد الأسرة وحملوه على أداء ما لزمه، فإذا لم