قال الله تعالى: (( وحاجه قومه، قال: أتحاجوني في الله وقد هدان، ولا أخاف ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي شيئا، وسع ربي كل شيء علما، أفلا تتذكرون، وكيف أخاف ما أشركتم، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا، فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ) [الأنعام: 80 - 82] وبهذا يعلم أن الأمة التي تحوز الأمن التام في الدنيا والآخرة، هي أمة التوحيد والطاعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنها إذا سعت للحصول على الأمن في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما معا، بغير ذلك، فسعيها ضرب من اللعب واللهو، كما قال تعالى: (( فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) ).ومن أجل هذا الأمن أنزل الله كتبه وبعث رسله وخلق خلقه وأعد جنته وناره: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) [الذاريات: 156] . (( ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدا الله ومنهم من حقّت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) ) [النحل: 36] .مواقف غالب الأمم من أسباب الأمن الحقيقيومع ذلك فإن أغلب الأمم التي تدعي أنها تنشد الأمن والرخاء والاستقرار لا تسلك سبيل هذا القسم، بل إنها لتضع السدود أمام سالكيه وتحاربهم وتصد من أراد أن يستجيب لهم، يدل على ذلك قصص الأنبياء والرسل مع قومهم، وتاريخ الدعاة إلى الله مع الأجيال المتلاحقة. اقرأ قصة نوح مع قومه، وقصة إبراهيم مع قومه، وقصة هود مع قومه، وقصة صالح مع قومه، وقصة شعيب مع قومه، وقصة لوط مع قومه، وقصة موسى مع قومه، وقصة عيسى مع قومه، وقصة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى إخوانه من الأنبياء أجمعين، مع قومه. وتأمل تاريخ الأمم إلى يومنا هذا، لترى أن أغلب تلك الأمم تسعى- في الواقع - جاهدة لتعاطي كل سبيل يوصلها إلى خوفها وهلاكها ودمارها، وتسد كل باب يوصلها إلى أمنها واطمئنانها واستقرارها، على الرغم من دعواها السعي الجاد إلى الأمن والاستقرار، ثم تتبع ما ذكر الله في كتابه من أن أكثر الناس ضالون مضلون فاسقون كافرون غير مؤمنين، كما قال تعالى: (( إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ) ) [البقرة: 243] .وقال تعالى: (( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ) [الأنعام: 116] ، وقال تعالى: (( إنه الحق من ربك لكن أكثر الناس لا يؤمنون ) ) [هود: 17] ، وقال تعالى: (( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورًا ) ) [الفرقان: 50] ، وقال تعالى: (( لتنذر قومًا ما أنذر آباءهم فهم غافلون لقد حقّ القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ) ) [يس: 6 - 7] .وتأمل كيف يستهزئ الناس الذين يفقدون الأمن بدعاة الخير والأمن من الرسل، فينالون بذلك غاية التحسر والتندم، كما قال تعالى: (( يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ستهزءون ) ) [يس: 30] .وتأمل كذلك قوله تعالى: (( وإذا تتلى عليهم ءاياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم ءاياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير ) ) [الحج: 72] .بل إن أعداء الأمن يقتلون دعاة الأمن، كما قال تعالى: (( لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون ) ) [المائدة: 70] .ومن