فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 677

أسنة حرابهم، ويلقوه إلى داخل الحصن ليفتح لهم الأبواب، ولم ينتظر منهم ذلك، بل تسلق بنفسه جدران الحصن وألقى بها وسط الأعداء المدافعين عن الحصن، وجالدهم بسيفه وبيده الأخرى كان يحاول فتح باب الحصن، حتى تمكن في النهاية من فتح باب الحصن، ولكن بعد أن أصابته في جسده الطاهر بضع وثمانون ضربة وطعنة ورمية ... هذا الفعل ربما يصوره بعض الجبناء بأنه تهور طائش، ولكنه جاء من صحابي جليل يتمتع بإيمان كبير وبشجاعة خارقة، حققت للمسلمين انتصارا عظيما وفتحا مجيدا. هذا الصحابي الذي يفهم حقيقة الإسلام، وحقيقة التضحية، وحقيقة المتاجرة مع الله سبحانه. ومما يدعم أدلتنا السابقة، فِعلُ الصحابي الذي سبق ذكره، وكسر غمد سيفه بعد أن أقرأ أصحابه السلام، وقاتل حتى قُتل. ودليل آخر، فعل الصحابي الذي سأل رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الفعل الذي يُضحك الربُّ من العبد فقال عليه الصلاة والسلام:"أن يغمس يده في العدو حاسرًا"، والاستشهاد في سبيل الله هو من قبيل غمس اليد والعظم والدم في العدو بلا دروع وبلا تروس، فهذه من أعظم الأعمال التي تضحك الرب.

والنقطة الأهم التي نعتمد عليها في الاستدلال بشرعية الفعل الاستشهادي حديث النبي عليه الصلاة والسلام:"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ..."فنية هذا الاستشهادي هي إغاظة الأعداء بإلحاق أكبر قدر من الخسائر بهم، استجابة لنداءات الله المتكررة في القرآن الكريم، ومن أمثلتها"فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما"، واستجابة لتوجيهات رسول الله عليه الصلاة والسلام، ودفاعا عن المستضعفين في الأرض من الرجال والنساء والولدان، ودفاعا عن المقدسات المنتهكة من قبل أعداء الله ... فإذا كانت هذه نيته، فإن له المقابل في ذلك، فإن له الشهادة والجنة، وأن يحشر مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

وقد أفتى بذلك كثير من علماء المسلمين المخلصين، وهكذا تحولت الشهادة الى أمنية يتمناها كل مسلم، ويدعو الله سبحانه أن يرزقه إياها في كل وقت وفي كل حين، وكذلك أصبحت الشهادة قيمة متأصلة في نفوس أبنائنا وآبائنا وأمهاتنا، بحيث يندفع الجميع الى مواطنها، عسى أن ينالوا شرفها وأجرها، وهذا جعل أبناء شعبنا يشكلون نموذج التضحية والفداء، ونموذج الأحياء والاقتداء لأمتنا جميعًا. وبناءً عليه نرجو من الجميع أن لا يفرطوا في هذه القيمة، وأن لا يتنازلوا عن هذه المكانة لأن فيها الرفعة وفيها الفوز في الدنيا والآخرة، وفيها إغاظة الأعداء، وشفاء لصدور المؤمنين، وفي كل المواقع والأوقات يظللنا قول الله سبحانه {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون، قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فتربصوا إنا معكم متربصون} (التوبة 51 - 52) ، فنحن نرجو إحدى الحسنيين، إما النصر وإما الشهادة، ولا ثالث لهما.

وإذا ما تخلينا عن طلب الشهادة، والاستشهاد في سبيل الله فسنبقى في دائرة الضعف والهوان تتكالب علينا الأمم كما تتكالب الأكلة على قصعتها، لا تقيم لنا وزنا، ولا

تذرف علينا دمعا، لأن الأمم لا تحترم إلا الأقوياء، وأن أول طريق القوة ينبع من عدم الخوف من الموت بل العمل على اقتحام حياضه، وهذا ما حرص على تعليمنا إياه الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه بقوله:"احرص على الموت توهب لك الحياة". تمت بحمد الله

الشهاب الثاقب

فجر الأحد 4/ 2/1424 هـ الموافق 6/ 4/2003 م

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت