الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ {63} وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ {64} وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ {65} ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ {66} إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ {67} وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ {68}
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى:
لقد أسرى موسى بعباد الله، بوحي من الله وتدبير. فأتبعهم جنود فرعون في الصباح بمكر من فرعون وبطر. ثم ها هو ذا المشهد يقترب من نهايته. والمعركة تصل إلى ذروتها.. إن موسى وقومه أمام البحر ليس معهم سفين ولا هم يملكون خوضه وما هم بمسلحين. وقد قاربهم فرعون بجنوده شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون!
وقالت دلائل الحال كلها: أن لا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم:
قال أصحاب موسى: إنا لمدركون..
وبلغ الكرب مداه، وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين!
ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون. فهي لا بد كائنة والله هو الذي يوجهه ويرعاه
قال: كلا إن معي ربي سيهدين.
كلا. في شدة وتوكيد. كلا لن نكون مدركين. كلا لن نكون هالكين. كلا لن نكون مفتونين. كلا لن نكون ضائعين كلا إن معي ربي سيهدين بهذا الجزم والتأكيد واليقين.
وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون:
فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر..
ولا يتمهل السياق ليقول إنه ضرب بعصاه البحر. فهذا مفهوم. إنما يعجل بالنتيجة:
فانفلق. فكان كل فرق كالطود العظيم..
ووقعت المعجزة، وتحقق الذي يقول عنه الناس: مستحيل. لأنهم يقيسون سنة الله على المألوف المكرور. والله الذي خلق السنن قادر على أن يجريها وفق مشيئته عندما يريد.
وقعت المعجزة وانكشف بين فرقي الماء طريق. ووقف الماء على جانبي الطريق كالطود العظيم. واقتحم بنو إسرائيل..
ووقف فرعون من جنوده مبغوتا مشدوها بذلك المشهد الخارق، وذلك الحادث العجيب.
ولا بد أن يكون قد وقف مبهوتا فأطال الوقوف - وهو يرى موسى وقومه يعبرون الخضم في طريق مكشوف - قبل أن يأمر جنوده بالاقتحام وراءهم في ذلك الطريق العجيب.
وتم تدبير الله. فخرج بنو إسرائيل من الشاطىء الآخر، بينما كان فرعون وجنوده بين فرقي الماء أجمعين. وقد قربهم الله لمصيرهم المحتوم:
وأزلفنا ثم الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين..
ثم أغرقنا الآخرين!!!