قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد!..
قالها وهو يوجه كلامه إلى هؤلاء الفتية - الذين جاء الملائكة في صورتهم - وهم صغار صباح الوجوه؛ ولكنهم - في نظره - ليسوا بأهل بأس ولا قوة. فالتفت إليهم يتمنى أن لو كانوا أهل قوة فيجد بهم قوة. أو لو كان له ركن شديد يحتمي به من ذلك التهديد!
وغاب عن لوط في كربته وشدته أنه يأوي إلى ركن شديد. ركن الله الذي لا يتخلى عن أوليائه. كما قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وهو يتلو هذه الآية: رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد!
وعندما ضاقت واستحكمت حلقاتها، وبلغ الكرب أشده.. كشف الرسل للوط عن الركن الشديد الذي يأوي إليه:
قالوا: يا لوط، إنا رسل ربك، لن يصلوا إليك..
وأنبأوه نبأهم، لينجو مع أهل بيته الطاهرين، إلا امرأته فإنها كانت من القوم الفاسدين:
فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح. أليس الصبح بقريب؟..
والسرى: سير الليل، والقطع من الليل: بعضه، ولا يلتفت منكم أحد. أى لا يتخلف ولا يعوق. لأن الصبح موعدهم مع الهلاك. فكل من بقي في المدينة فهو هالك مع الهالكين.
أليس الصبح بقريب؟..
سؤال لإنعاش نفس لوط بعد ما ذاق. لتقريب الموعد وتأكيده. فهو قريب. مع مطلع الصباح. ثم يفعل الله بالقوم - بقوته - ما لم تكن قوة لوط التي تمناها فاعلة!
والمشهد الأخير. مشهد الدمار المروع، اللائق بقوم لوط:
فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود. مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد..
فلما جاء موعد تنفيذ الأمر جعلنا عاليها سافلها.. وهي صورة للتدمير الكامل الذي يقلب كل شيء ويغير المعالم ويمحوها. وهذا القلب وجعل عاليها سافلها أشبه شيء بتلك الفطرة المقلوبة الهابطة المرتكسة من قمة الإنسان إلى درك الحيوان. بل أحط من الحيوان، فالحيوان واقف ملتزم عند حدود فطرة الحيوان..
وأمطرنا عليها حجارة من سجيل..
حجارة ملوثة بالطين.. وهي كذلك مناسبة وعلى قدر المقام:
منضود.. متراكم بعضه يلاحق بعضا.
هذه الحجارة.. مسومة عند ربك.. كما تسوم الماشية أي تربى وتطلق بكثرة. فكأنما هذه الحجارة مرباة! ومطلقة لتنمو وتتكاثر! لوقت الحاجة.. وهو تصوير عجيب يلقي ظله في الحس، ولا يفصح عنه التفسير، كما يفصح عنه هذا الظل الذي يلقيه..
وما هي من الظالمين ببعيد..
فهي قريبة وتحت الطلب، وعند الحاجة تطلق فتصيب!