فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 677

ولا في نظام اجتماعي، ولا في أحكام تشريعية، إلا ما استبقاه الله في هذا المنهج من شرائع من قبلنا من أهل الكتاب..

إن اقتناع المسلم إلى درجة اليقين الجازم بهذا كله هو - وحده - الذي يدفعه للاضطلاع بعبء النهوض بتحقيق منهج الله الذي رضيه للناس؛ في وجه العقبات الشاقة، والتكاليف المضنية، والمقاومة العنيدة، والكيد الناصب، والألم الذي يكاد يجاوز الطاقة في كثير من الأحيان.. وإلا فما العناء في أمر يغني عنه غيره - مما هو قائم في الأرض من جاهلية.. سواء كانت هذه الجاهلية ممثلة في وثنية الشرك، أو في انحراف أهل الكتاب، أو في الإلحاد السافر.. بل ما العناء في إقامة المنهج الإسلامي، إذا كانت الفوارق بينه وبين مناهج أهل الكتاب أو غيرهم قليلة؛ يمكن الالتقاء عليها بالمصالحة والمهادنة ?

إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة، باسم التسامح والتقريب بين أهل الأديان السماوية، يخطئون فهم معنى الأديان كما يخطئون فهم معنى التسامح. فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله. والتسامح يكون في المعاملات الشخصية، لا في التصور الاعتقادي ولا في النظام الاجتماعي.. إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام، وبأن عليه أن يحقق منهج الله الممثل في الإسلام ولا يقبل دونه بديلا؛ ولا يقبل فيه تعديلا - ولو طفيفا - هذا اليقين الذي ينشئه القرآن الكريم وهو يقرر: (إن الدين عند الله الإسلام) .. (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) .. (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) .. (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء.. بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم) .. وفي القرآن كلمة الفصل.. ولا على المسلم من تميع المتميعين وتمييعهم لهذا اليقين!

على أن الله - سبحانه - وهو يضع للجماعة المسلمة هذه القاعدة العامة الحازمة الصارمة، كان علمه يتناول الزمان كله، لا تلك الفترة الخاصة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وملابساتها الموقوتة.. وقد أظهر التاريخ الواقع فيما بعد أن عداء النصارى لهذا الدين وللجماعة المسلمة في معظم بقاع الأرض لم يكن أقل من عداء اليهود.. وإذا نحن استثنينا موقف نصارى العرب ونصارى مصر في حسن استقبال الإسلام، فإننا نجد الرقعة النصرانية في الغرب، قد حملت للإسلام في تاريخها كله منذ أن احتكت به من العداوة والضغن، وشنت عليه من الحرب والكيد، ما لا يفترق عن حرب اليهود وكيدهم في أي زمان! حتى الحبشة التي أحسن عاهلها استقبال المهاجرين المسلمين واستقبال الإسلام، عادت فإذا هي أشد حربا على الإسلام والمسلمين من كل أحد؛ لا يجاريها في هذا إلا اليهود..

وكان الله - سبحانه - يعلم الأمر كله. فوضع للمسلم هذه القاعدة العامة. بغض النظر عن واقع الفترة التي كان هذا القرآن يتنزل فيها وملابساتها الموقوتة! وبغض النظر عما يقع مثلها في بعض الأحيان هنا وهناك إلى آخر الزمان.

وما يزال الإسلام والذين يتصفون به - ولو أنهم ليسوا من الإسلام في شيء - يلقون من عنت الحرب المشبوبة عليهم وعلى عقيدتهم من اليهود والنصارى في كل مكان على سطح الأرض، ما يصدق قول الله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت