فهرس الكتاب

الصفحة 272 من 677

الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها؛ والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور .. أو بتعبير آخر مرادف: الألوهية فيه للبشر في صورة من الصور .. ذلك أن الحكم الذي مرد الأمر فيه إلى البشر، ومصدر السلطات فيه هم البشر، هو تأليه للبشر، يجعل بعضهم لبعض أربابًا من دون الله .. إن هذا الإعلان معناه انتزاع سلطان الله المغتصب ورده إلى الله؛ وطرد المغتصبين له؛ الذين يحكمون الناس بشرائع من عند أنفسهم فيقومون منهم مقام الأرباب؛ ويقوم الناس منهم مقام العبيد .. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض .. أو بالتعبير القرآني الكريم:

وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ..

إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه .. ذلك الدين القيم .... قل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله. فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون ..

ومملكة الله في الأرض لا تقوم بأن يتولى الحاكمية في الأرض رجال بأعيانهم - هم رجال الدين كما كان الأمر في سلطان الكنيسة، ولا رجال ينطقون باسم الآلهة، كما كان الحال في ما يعرف باسم"الثيوقراطية"أو الحكم الإلهي المقدس!!! - ولكنها تقوم بأن تكون شريعة الله هي الحاكمة؛ وأن يكون مرد الأمر إلى الله وفق ما قرره من شريعة مبينة.

وقيام مملكة الله في الأرض، وإزالة مملكة البشر. وانتزاع السلطان من أيدي مغتصبيه من العباد ورده إلى الله وحده. وسيادة الشريعة الإلهية وحدها وإلغاء القوانين البشرية .. كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان. لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان. وإلا فما كان أيسر عمل الرسل في إقرار دين الله في الأرض! وهذا عكس ما عرفه تاريخ الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وتاريخ هذا الدين على ممر الأجيال!

إن هذا الإعلان العام لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من كل سلطان غير سلطان الله، بإعلان ألوهية الله وحده وربوبيته للعالمين، لم يكن إعلانًا نظريًا فلسفيًا سلبيًا .. إنما كان إعلانًا حركيًا واقعيًا إيجابيًا .. إعلانًا يراد له التحقيق العملي في صورة نظام يحكم البشر بشريعة الله؛ ويخرجهم بالفعل من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك .. ومن ثم لم يكن بد من أن يتخذ شكل"الحركة"إلى جانب شكل"البيان".. ذلك ليواجه"الواقع"البشري بكل جوانبه بوسائل مكافئة لكل جوانبه.

والواقع الإنساني، أمس واليوم وغدًا، يواجه هذا الدين - بوصفه إعلانًا عامًا لتحرير"الإنسان"في"الأرض"من كل سلطان غير سلطان الله - بعقبات اعتقادية تصورية. وعقبات مادية واقعية .. عقبات سياسية واجتماعية واقتصادية وعنصرية وطبقية، إلى جانب عقبات العقائد المنحرفة والتصورات الباطلة .. وتختلط هذه بتلك وتتفاعل معها بصورة معقدة شديدة التعقيد ..

وإذا كان"البيان"يواجه العقائد والتصورات، فإن"الحركة"تواجه العقبات المادية الأخرى - وفي مقدمتها السلطان السياسي القائم على العوامل الاعتقادية التصورية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت