أنظمة الدولة السياسية؛ وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية، والاقتصادية الناشئة من الاعتبارات العنصرية والطبقية، والتي تحميها القوة المادية للدولة كذلك؟!
إنها سذاجة أن يتصور الإنسان دعوة تعلن تحرير"الإنسان".. نوع الإنسان .. في"الأرض".. كل الأرض .. ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهدها باللسان والبيان! ..
إنها تجاهد باللسان والبيان حينما يخلى بينها وبين الأفراد، تخاطبهم بحرية، وهم مطلقو السراح من جميع تلك المؤثرات .. فهنا لا إكراه في الدين .. أما حين توجد تلك العقبات والمؤثرات المادية، فلا بد من إزالتها أولًا بالقوة، للتمكن من مخاطبة قلب الإنسان وعقله؛ وهو طليق من هذه الأغلال!
إن الجهاد ضرورة للدعوة. إذا كانت أهدافها هي إعلان تحرير الإنسان إعلانًا جادًا يواجه الواقع الفعلي بوسائل مكافئة له في كل جوانبه؛ ولا يكتفي بالبيان الفلسفي النظري السلبي! سواء كان الوطن الإسلامي - وبالتعبير الإسلامي الصحيح: دار الإسلام - آمنا أم مهددًا من جيرانه. فالإسلام حين يسعى إلى السلم، لا يقصد تلك السلم الرخيصة؛ وهي مجرد أن يأمن على الرقعة الخاصة التي يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما هو يريد السلم التي يكون الدين فيها كله لله. أي تكون عبودية الناس كلهم فيها لله؛ والتي لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله. والعبرة بنهاية المراحل التي وصلت إليها الحركة الجهادية في الإسلام - بأمر من الله - لا بأوائل أيام الدعوة ولا بأوسطها .. ولقد انتهت هذه المراحل كما يقول الإمام ابن القيم:"فاستقر أمر الكفار معه - بعد نزول براءة - على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة .. ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام .. فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة. والمحاربون له خائفون منه .. فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به. ومسالم له آمن [وهم أهل الذمة كما يفهم من الجملة السابقة] وخائف محارب".. وهذه هي المواقف المنطقية مع طبيعة هذا الدين وأهدافه. لا كما يفهم المهزومون أمام الواقع الحاضر، وأمام هجوم المستشرقين الماكر! ولقد كف الله المسلمين عن القتال في مكة؛ وفي أول العهد بالهجرة إلى المدينة .. وقيل للمسلمين: كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة .. ثم أذن لهم فيه، فقيل لهم: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق - إلا أن يقولوا: ربنا الله. ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا، ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور .. ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم فقيل لهم: وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم .. ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فقيل لهم: وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة .. وقيل لهم: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .. فكان القتال -