فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 677

إليه ببصره. إلا أنه لا مندوحة للمسلمين، أو أعضاء"الحزب الإسلامي"عن الشروع في مهمتهم بإحداث الانقلاب المنشود، والسعي وراء تغيير نظم الحكم في بلادهم التي يسكنونها. أما غايتهم العليا وهدفهم الأسمى فهو الانقلاب العالمي الشامل [] المحيط بجميع أنحاء الأرض. وذلك أن فكرة انقلابية لا تؤمن بالقومية، بل تدعو الناس جميعًا إلى سعادة البشر وفلاح الناس أجمعين، لا يمكنها أصلًا أن تضيق دائرة عملها في نطاق محدود من أمة أو قطر. بل الحق أنها مضطرة بسجيتها وجبلتها أن تجعل الانقلاب العالمي غايتها التي تضعها نصب عينها، ولا تغفل عنها طرفة عين. فإن الحق يأبى الحدود الجغرافية، ولا يرضى أن ينحصر في حدود ضيقة اخترعها علماء الجغرافية واصطلحوا عليها. فالحق يتحدى العقول البشرية النزيهة. ويقول لها مطالبًا بحقه: ما بالكم تقولون: إن القضية الفلانية"حق"في هذا الجانب من ذاك الجبل أو النهر مثلًا؛ ثم تعود القضية نفسها"باطلًا"- بزعمكم - إذا جاوزنا ذاك الجبل أو النهر بأذرع؟! الحق حق في كل حال وفي كل مكان! وأي تأثير للجبال والأنهار في تغيير حقيقته المعنوية؟! الحق ظله وارف، وخيره عام شامل، لا يختص ببيئة دون بيئة، ولا قطر دون قطر. فأينما وجد"الإنسان"مقهورًا فالحق من واجبه أن يدركه ويأخذ بحقه وينتصر له. ومهما أصيبت"الإنسانية"في أبنائها المستضعفين، فعلى العدل ومبادئه والحاملين للوائه أن يلبوا نداءها، ويأخذوا بناصرهم حتى ينتصروا لهم من أعدائهم الجائرين، ويستردوا لهم حقوقهم المغصوبة التي استبد بها الطغاة بغيًا وعدوانًا. وبهذا المعنى نطق لسان الوحي، حيث ورد في التنزيل:

وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين يقولون: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ... [النساء:75]

"وزد على ذلك أن الأواصر البشرية والعلاقات الإنسانية - على ما أثرت فيها الفوارق القومية والوطنية. وأحدثت فيها من نزعات الشتات والاختلاف - قد تشتمل على تلاؤم شامل، وتجانس عام بين أجزائها، ربما يتعذر معه أن تسير مملكة في قطر بعينه بحسب مبادئها وخططها المرسومة المستبينة، ما دامت الأقطار المجاورة لها لا توافقها على مبادئها وخطتها، ولا ترضى بالسير وفق منهاجها وبرنامجها. من أجل ذلك وجب على الحزب المسلم، حفظًا لكيانه، وابتغاء للإصلاح المنشود، ألا يقنع بإقامة نظام الحكم الإسلامي في قطر واحد بعينه. بل من واجبه الذي لا مناص له منه بحال من الأحوال، ألا يدخر جهدًا في توسيع نطاق هذا النظام وبسط نفوذه في مختلف أرجاء الأرض. ذلك بأن يسعى الحزب الإسلامي، في جانب، وراء نشر الفكرة الإسلامية، وتعميم نظرياتها الكاملة ونشرها في أقصى الأرض وأدناها؛ ويدعو سكان المعمورة - على اختلاف بلادهم وأجناسهم وطبقاتهم أن يتلقوا هذه الدعوة بالقبول، ويدينوا بهذا المنهاج الذي يضمن لهم السعادتين، سعادتي الدنيا والآخرة .. وبجانب آخر، يشمر عن ساق الجد، ويقاوم النظم الجائرة المناقضة لقواعد الحق والعدل وبالقوة، إذا استطاع ذلك وأعد له عدته، ويقيم مكانها نظام العدل والنصفة، المؤسس على قواعد الإسلام ومبادئه الخالدة التي لا تبلى، ولن تبلى جدتها على مرور الأيام والليالي."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت