فهرس الكتاب

الصفحة 349 من 677

فعل شائن معكم أن تكون بينكم وبينهم عهود؛ إنما يمنعهم أنهم لا يقدرون عليكم ولا يغلبونكم!.. وإذا كانوا اليوم - وأنتم أقوياء - يرضونكم بأفواههم بالقول اللين والتظاهر بالوفاء بالعهد. فإن قلوبهم تنغل عليكم بالحقد؛ وتأبى أن تقيم على العهد؛ فما بهم من وفاء لكم ولا ود! وأكثرهم فاسقون. اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله. إنهم ساء ما كانوا يعملون.. وهذا هو السبب الأصيل لهذا الحقد الدفين عليكم، وإضمار عدم الوفاء بعهودكم، والانطلاق في التنكيل بكم - لو قدروا - من كل تحرج ومن كل تذمم.. إنه الفسوق عن دين الله، والخروج عن هداه، فلقد آثروا على آيات الله التي جاءتهم ثمنا قليلا من عرض هذه الحياة الدنيا يستمسكون به ويخافون فوته. وقد كانوا يخافون أن يضيع عليهم الإسلام شيئا من مصالحهم؛ أو أن يكلفهم شيئا من أموالهم! فصدوا عن سبيل الله بسبب شرائهم هذا الثمن القليل بآيات الله. صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم [فسيجيء أنهم أئمة الكفر] .. أما فعلهم هذا فهو الفعل السيء الذي يقرر الله سوءه الأصيل: إنهم ساء ما كانوا يعملون!.. ثم إنهم لا يضمرون هذا الحقد لأشخاصكم؛ ولا يتبعون تلك الخطة المنكرة معكم بذواتكم.. إنهم يضطغنون الحقد لكل مؤمن؛ ويتبعون هذا المنكر مع كل مسلم.. إنهم يوجهون حقدهم وانتقامهم لهذه الصفة التي أنتم عليها.. للإيمان ذاته.. كما هو المعهود في كل أعداء الصفوة الخالصة من أهل هذا الدين، على مدار التاريخ والقرون.. فكذلك قال السحرة لفرعون وهو يتوعدهم بأشد أنواع التعذيب والتنكيل والتقتيل: وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا.. وكذلك قال رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لأهل الكتاب بتوجيه من ربه: قل: يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله؟ وقال سبحانه عن أصحاب الأخدود الذين أحرقوا المؤمنين: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. فالإيمان هو سبب النقمة، ومن ثم هم يضطغنون الحقد لكل مؤمن، ولا يراعون فيه عهدا ولا يتذممون من منكر: لايرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأولئك هم المعتدون.. فصفة الاعتداء أصيلة فيهم.. تبدأ من نقطة كرههم للإيمان ذاته وصدودهم عنه؛ وتنتهي بالوقوف في وجهه؛ وتربصهم بالمؤمنين؛ وعدم مراعاتهم لعهد معهم ولا صلة؛ إذا هم ظهروا عليهم؛ وأمنوا بأسهم وقوتهم. وعندئذ يفعلون بهم الأفاعيل غير مراعين لعهد قائم، ولا متحرجين ولا متذممين من منكر يأتونه معهم.. وهم آمنون..!

ثم يبين الله كيف يقابل المؤمنون هذه الحال الواقعة من المشركين: ... فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ونفصل الآيات لقوم يعلمون. وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون .. إن المسلمين يواجهون أعداء يتربصون بهم؛ ولا يقعد هؤلاء الأعداء عن الفتك بالمسلمين بلا شفقة ولا رحمة إلا عجزهم عن ذلك. لا يقعدهم عهد معقود، ولا ذمة مرعية، ولا تحرج من مذمة، ولا إبقاء على صلة.. ووراء هذا التقرير تاريخ طويل، يشهد كله بأن هذا هو الخط الأصيل الذي لا ينحرف إلا لطارئ زائل، ثم يعود فيأخذ طريقه المرسوم! هذا التاريخ الطويل من الواقع العملي؛ بالإضافة الى طبيعة المعركة المحتومة بين منهج الله الذي يخرج الناس من العبودية للعباد ويردهم إلى عبادة الله وحده، وبين مناهج الجاهلية التي تعبد الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت