فهرس الكتاب

الصفحة 367 من 677

يواجه مناهج بشرية العبودية فيها للعبيد!!! إن للجهاد المطلق في هذا الدين مبرراته النابعة من ذات المنهج الإلهي؛ فليراجعها المهزومون الذين يحملون هزيمتهم وضعفهم على هذا الدين. لعل الله أن يرزقهم القوة من عنده؛ وأن يجعل لهم الفرقان الذي وعد به عباده المتقين! لتاريخ طويل .. ومع هذا كله فلقد كان الإسلام يفتح لهم ذراعيه؛ فيأمر الله نبيه والمسلمين الذين أوذوا وفتنوا وحوربوا وشردوا وقتلوا .. كان يأمرهم أن يكفوا عن المشركين إن هم اختاروا التوبة إلى الله، والتزموا شعائر الإسلام التي تدل على اعتناقهم هذا الدين واستسلامهم له وقيامهم بفرائضه. وذلك أن الله لا يرد تائبا مهما تكن خطاياه: .. إن الله غفور رحيم .. ولا نحب أن ندخل هنا في الجدل الفقهي الطويل الذي تعرضت له كتب التفسير وكتب الفقه حول هذا النص: ... فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم .. وعما إذا كانت هذه شرائط الإسلام التي يكفر تاركها؟ ومتى يكفر؟ وعما إذا كان يكتفى بها من التائب دون بقية أركان الإسلام المعروفة؟ .. الخ فما نحسب أن هذه الآية بصدد شيء من هذا كله. إنما هو نص كان يواجه واقعا في مشركي الجزيرة يومذاك. فما كان أحدهم ليعلن توبته ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة إلا وهو يعني الإسلام كله، ويعني استسلامه له ودخوله فيه. فنصت الآية على التوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لأنه ما كان ليفعل هذا منهم في ذلك الحين إلا من نوى الإسلام وارتضاه بكامل شروطه وكامل معناه. وفي أولها الدينونة لله وحده بشهادة أن لا إله إلا الله، والاعتراف برسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] بشهادة أن محمدا رسول الله. فليست هذه الآية بصدد تقرير حكم فقهي، إنما هي بصدد إجراء واقعي له ملابساته. وأخيرا فإنه مع هذه الحرب المعلنة على المشركين كافة بعد انسلاخ الأشهر الأربعة يظل الإسلام على سماحته وجديته وواقعيته كذلك. فهو لا يعلنها حرب إبادة على كل مشرك كما قلنا. إنما يعلنها حملة هداية كلما أمكن ذلك. فالمشركون الأفراد، الذين لا يجمعهم تجمع جاهلي يتعرض للإسلام ويتصدى؛ يكفل لهم الإسلام - في دار الإسلام - الأمن، ويأمر الله - سبحانه - رسوله [صلى الله عليه وسلم] أن يجيرهم حتى يسمعوا كلام الله ويتم تبليغهم فحوى هذه الدعوة؛ ثم أن يحرسهم حتى يبلغوا مأمنهم .. هذا كله وهم مشركون .... وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون .. إن هذا يعني أن الإسلام حريص على كل قلب بشري أن يهتدي وأن يثوب؛ وان المشركين الذين يطلبون الجوار والأمان في دار الإسلام يجب أن يعطوا الجوار والأمان؛ ذلك أنه في هذه الحالة آمن حربهم وتجمعهم وتألبهم عليه؛ فلا ضير إذن من إعطائهم فرصة سماع القرآن ومعرفة هذا الدين؛ لعل قلوبهم أن تتفتح وتتلقى وتستجيب .. وحتى إذا لم تستجب فقد أوجب الله لهم على أهل دار الإسلام أن يحرسوهم بعد إخراجهم حتى يصلوا إلى بلد يأمنون فيه على أنفسهم!!! ولقد كانت قمة عالية تلك الإجارة والأمان لهم في دار الإسلام .. ولكن قمم الإسلام الصاعدة ما تزال تتراءى قمة وراء قمة .. وهذه منها .. هذه الحراسة للمشرك، عدو الإسلام والمسلمين ممن آذى المسلمين وفتنهم وعاداهم هذه السنين ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت