فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 677

إن الشرك بالله - المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله - يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده. ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته..

وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة..

والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته..

إن العبد الذي يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده؛ ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر. بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية و السياسية والاجتماعية لشرائع من عند غير الله. ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله. ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء - مخالفة لشرع الله وأمره - إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته؛ ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها..

وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتميع، وهم لايحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان!

والأصنام..

ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة..

فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت، يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها، وضمان دينونتهم له من خلالها..

إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر..

إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها؛ يتمتم حولها بالتعاويذ والرقي.. ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها! فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان، ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال...

فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها!

إذا رفعت"القومية"شعارا، أو رفع"الوطن"شعارا، أو رفع"الشعب"شعارا، أو رفعت"الطبقة"شعارا...

ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله؛ وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض. بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه، ونفذت إرادة تلك الشعارات - أو بالتعبير الصحيح الدقيق: إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات - كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله..

فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة؛ ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت