أكل ثمارهم، إذا أعطوا الذي عليهم. ورفع إليه [صلى الله عليه وسلم] بعد إحدى المواقع أن صبية قتلوا بين الصفوف، فحزن حزنا شديدا، فقال بعضهم: ما يحزنك يا رسول الله وهم صبية للمشركين؛ فغضب النبي [صلى الله عليه وسلم] ؛ وقال - ما معناه - إن هؤلاء خير منكم، إنهم على الفطرة، أو لستم أبناء المشركين. فإياكم وقتل الأولاد. إياكم وقتل الأولاد. وهذه التعليمات النبوية هي التي سار عليها الخلفاء بعده: روى مالك عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال: ستجدون قوما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له، ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما وقال زيد بن وهب: أتانا كتاب عمر - رضي الله عنه - وفيه:"لا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا وليدا، واتقوا الله في الفلاحين". ومن وصاياه!"ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات". وهكذا تتواتر الأخبار بالخط العام الواضح لمستوى المنهج الإسلامي في قتاله لأعدائه، وفي آدابه الرفيعة، وفي الرعاية لكرامة الإنسان. وفي قصر القتال على القوى المادية التي تحول بين الناس وبين أن يخرجوا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده. وفي اليسر الذي يعامل به حتى أعداءه. أما الغلظة فهي الخشونة في القتال والشدة؛ وليست هي الوحشية مع الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، غير المحاربين أصلا؛ وليست تمثيلا بالجثث والأشلاء على طريقة المتبربرين الذين يسمون أنفسهم متحضرين في هذا الزمان. وقد تضمن الإسلام ما فيه الكفاية من الأوامر لحماية غير المحاربين، ولاحترام بشرية المحاربين. إنما المقصود هو الخشونة التي لا تميع المعركة؛ وهذا الأمر ضروري لقوم أمروا بالرحمة والرأفة في توكيد وتكرار فوجب استثناء حالة الحرب، بقدر ما تقتضي حالة الحرب، دون رغبة في التعذيب والتمثيل والتنكيل.
وقال تعالى في سورة التوبة {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأرض مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ 36}
ويقول السيد طيب الله ثراه:
وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ..
قاتلوهم جميعًا بلا استثناء أحد منهم ولا جماعة، فهم يقاتلونكم جميعًا لا يستثنون منكم أحدًا، ولا يبقون منكم على جماعة. والمعركة في حقيقتها إنما هي معركة بين الشرك والتوحيد. وبين الكفر والإيمان وبين الهدى والضلال. معركة بين معسكرين متميزين لا يمكن أن يقوم بينهما سلام دائم، ولا أن يتم بينهما اتفاق كامل. لأن الخلاف بينهما ليس عرضيًا ولا جزئيًا. ليس خلافًا على مصالح يمكن التوفيق بينها، ولا على حدود يمكن أن يعاد تخطيطها. وإن الأمة المسلمة لتخدع عن حقيقة المعركة بينها وبين المشركين - وثنيين وأهل كتاب - إذا هي فهمت أو أفهمت أنها معركة اقتصادية أو معركة قومية، أو معركة وطنية، أو معركة استراتيجية .. كلا. إنها قبل كل شيء معركة العقيدة. والمنهج الذي ينبثق من هذه العقيدة .. أي الدين .. وهذه لا تجدي فيها أنصاف الحلول. ولا تعالجها الاتفاقات والمناورات. ولا علاج لها إلا بالجهاد والكفاح الجهاد الشامل والكفاح الكامل. سنة اللّه التي لا تتخلف