فهرس الكتاب

الصفحة 375 من 677

حَيْثُ يُحَارَبُ لقوله تعالى {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} فَأَفَادَ أَنَّ قِتَالنَا الْمَامُورَ بِهِ جَزَاءٌ لِقِتَالِهِمْ وَمُسَبَّبٌ عَنْهُ، وَكَذَا قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أَيْ لَا تَكُونَ مِنْهُمْ فِتْنَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ بِالْإِكْرَاهِ بِالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَفْتِنُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالتَّعْذِيبِ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ الإسلام عَلَى مَا عُرِفَ فِي السِّيَرِ، فَأَمَرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْقِتَالِ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَفْتِينِ الْمُسْلِمِ عَنْ دِينِهِ، فَكَانَ الْأَمْرُ ابْتِدَاءً بِقِتَالِ مَنْ بِحَيْثُ يُحَارِبُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا قَوْلُهُ صلى الله عليه وآله وسلم فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ لِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ حِينَ رَأَى الْمَقْتُولَةَ {مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ} وَأَمَّا قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم {الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} فَدَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ لَا يُنْسَخُ، وَهَذَا لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الِافْتِرَاضَ. وَقَوْلُ صَاحِبِ الْإِيضَاحِ إذَا تَأَيَّدَ خَبَرُ الْوَاحِدِ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ مَمْنُوعٌ، بَلْ الْمُفِيدُ حِينَئِذٍ الْكِتَابُ وَالْإِجْمَاعُ، وَجَاءَ الْخَبَرُ عَلَى وَفْقِهِمَا، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ صلى الله عليه وسلم مِنْ حَدِيثٍ {وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ} فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، وَعَنْ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: هُوَ فِي مَعْنَى الْمَجْهُولِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ إجْمَاعَ الْأُمَّةِ أَنَّ الْجِهَادَ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَمْ يُنْسَخْ، فَلَا يُتَصَوَّرُ نَسْخُهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ لَا قَائِلَ أَنَّ بِقِتَالِ آخِرِ الْأُمَّةِ الدَّجَّالَ يَنْتَهِي وُجُوبُ الْجِهَادِ. وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ لَيْسَ مُجَرَّدًا ابْتِلَاءَ الْمُكَلَّفِينَ بَلْ إعْزَازُ الدِّينِ، وَدَفْعُ شَرِّ الْكُفَّارِ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ قوله تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} (فَإِذَا حَصَلَ ذَلِكَ بِالْبَعْضِ سَقَطَ) هُوَ لِحُصُولِ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ (كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ) الْمَقْصُودُ مِنْهَا قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِ. وَذَهَبَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ إلَى أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ تَمَسُّكًا بِعَيْنِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ؛ إذْ بِمِثْلِهَا يَثْبُتُ فُرُوضُ الْأَعْيَانِ.

قُلْنَا: نَعَمْ لَوْلَا قوله تعالى {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ} الْآيَةَ إلَى قوله تعالى {وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَيْنًا لَاشْتَغَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ بِهِ فَيَتَعَطَّلُ الْمَعَاشُ عَلَى مَا لَا يَخْفَى بِالزِّرَاعَةِ وَالْجَلْبِ بِالتِّجَارَةِ وَيَسْتَلْزِمُ (قَطْعُ مَادَّةِ الْجِهَادِ مِنْ الْكُرَاعِ) يَعْنِي الْخَيْلَ (وَالسِّلَاحِ) وَالْأَقْوَاتِ فَيُؤَدِّي إيجَابُهُ عَلَى الْكُلِّ إلَى تَرْكِهِ لِلْعَجْزِ (فَلَزِمَ أَنْ يَجِبَ عَلَى الْكِفَايَةِ) وَلَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ مَا ذُكِرَ إنَّمَا يَثْبُتُ إذَا لَزِمَ فِي كَوْنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ أَنْ يَخْرُجَ الْكُلُّ مِنْ الْأَمْصَارِ دَفْعَةً وَاحِدَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَازِمًا بَلْ يَكُونُ كَالْحَجِّ عَلَى الْكُلِّ، وَلَا يَخْرُجُ الْكُلُّ بَلْ يَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ يَخْرُجَ فَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ وَفِي مَرَّةٍ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَهَكَذَا، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ الْمَعَاشِ، فَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ نَصُّ {لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} ثُمَّ هَذَا (إذَا لَمْ يَكُنْ النَّفِيرُ عَامًّا، فَإِنْ كَانَ) بِأَنْ هَجَمُوا عَلَى بَلْدَةٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ (فَيَصِيرُ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ) سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَنْفِرُ عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا فَيَجِبُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلْدَةِ النَّفْرُ، وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ بِأَهْلِهَا كِفَايَةٌ وَكَذَا مَنْ يَقْرُبُ مِمَّنْ يَقْرُبُ إنْ لَمْ يَكُنْ بِمَنْ يَقْرُبُ كِفَايَةٌ أَوْ تَكَاسَلُوا أَوْ عَصَوْا، وَهَكَذَا إلَى أَنْ يَجِبَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الإسلام شَرْقًا وَغَرْبًا، كَجِهَازِ الْمَيِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ يَجِبُ أَوَّلًا عَلَى أَهْلِ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا عَجْزًا وَجَبَ عَلَى مَنْ بِبَلَدِهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا هَكَذَا ذَكَرُوا،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت