فهرس الكتاب

الصفحة 377 من 677

لقوله تعالى: {إلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} . إلَى قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} . وَقَالُوا: إنَّ الْقَاعِدِينَ الْمُشَارَ إلَيْهِمْ بِآيَةِ سُورَةِ النِّسَاءِ كَانُوا حُرَّاسًا عَلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ. وَهُنَاكَ أَقْوَالٌ أُخْرَى: يُرْجَعُ إلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) . أَمَّا بَعْدَ عَهْدِهِ صلى الله عليه وسلم فَلِلْعَدُوِّ حَالَتَانِ:

5 -أَنْ يَكُونَ فِي بِلَادِهِ مُسْتَقِرًّا، وَلَمْ يَقْصِدْ إلَى شَيْءٍ مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ: اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ النَّفِيرَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إذَا قَامَ بِهِ فَرِيقٌ مِنْ النَّاسِ مَرَّةً فِي السَّنَةِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ، أَمَّا الْفَرْضِيَّةُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} . وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم {الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} . وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُفْرَضْ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا فُرِضَ لِإِعْزَازِ دِينِ اللَّهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْ الْعِبَادِ، فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْبَعْضِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ، بَلْ إذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْصُلَ بِإِقَامَةِ الدَّلِيلِ وَالدَّعْوَةِ بِغَيْرِ جِهَادٍ كَانَ أَوْلَى مِنْ الْجِهَادِ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَثِمَ الْجَمِيعُ بِتَرْكِهِ.

6 -أَمَّا إذَا دَهَمَ الْعَدُوُّ بَلَدًا مِنْ بِلَادِ الإسلام، فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّفِيرُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ، وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ وُجُوبًا عَيْنِيًّا، فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ، حَتَّى الْفَقِيرِ، وَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ، وَالْمَرْأَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ بِلَا إذْنٍ مِنْ: الْأَبَوَيْنِ، وَالسَّيِّدِ، وَالدَّائِنِ، وَالزَّوْجِ. فَإِنْ عَجَزَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَمَنْ بِقُرْبِهِمْ عَنْ الدِّفَاعِ فَعَلَى مَنْ يَلِيهِمْ، إلَى أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ فَرْضَ عَيْنٍ كَالصَّلَاةِ تَمَامًا عَلَى هَذَا التَّدْرِيجِ.

7 -وَكَذَلِكَ يَكُونُ النَّفِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ يُسْتَنْفَرُ مِمَّنْ لَهُ حَقُّ الِاسْتِنْفَارِ كَالْإِمَامِ أَوْ نُوَّابِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّفَ إذَا دَعَاهُ دَاعِي النَّفِيرِ، إلَّا مَنْ مَنَعَهُ الْإِمَامُ مِنْ الْخُرُوجِ، أَوْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَخَلُّفِهِ لِحِفْظِ الْأَهْلِ أَوْ الْمَالِ، لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إذَا قِيلَ لَكُمْ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ} .

قوله صلى الله عليه وسلم {حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإسلام وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} حيث متواتر أخرجه البخاري (25) وغيره

وفي فتح الباري:. قوله: (أمرت) أي أمرني الله، لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله، وقياسه في الصحابي إذا قال أمرت فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر، وإذا قاله التابعي احتمل. والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الآمر له هو ذلك الرئيس. قوله: (أن أقاتل) أي بأن أقاتل، وحذف الجار من"أن"كثير. قوله: (حتى يشهدوا) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر، فمقتضاه أن من شهد وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام، والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به، مع أن نص الحديث وهو قوله"إلا بحق الإسلام"يدخل فيه جميع ذلك. فإن قيل: فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة؟ فالجواب أن ذلك لعظمهما والاهتمام بأمرهما، لأنهما أما العبادات البدنية والمالية. قوله: (ويقيموا الصلاة) أي يداوموا على الإتيان بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت