الدَّعْوَةُ فَأَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ فَلِلْمُسْلِمِينَ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْعَى وَإِنْ دَعَوْهُ فَذَلِكَ لَهُمْ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمْ إذَا كَانَ لَهُمْ تَرْكُ قِتَالِهِ بِمُدَّةٍ تَطُولُ فَتَرْكُ قِتَالِهِ إلَى أَنْ يُدْعَى أَقْرَبُ فَأَمَّا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاتِلُوا حَتَّى يُدْعَوْا إلَى الْإِيمَانِ إنْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ إلَى الْإِيمَانِ أَوْ إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ الْيَوْمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ عَدُوِّنَا الَّذِينَ يُقَاتِلُونَا أُمَّةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَلَعَلَّ أُولَئِكَ أَنْ لَا تَكُونَ الدَّعْوَةُ بَلَغَتْهُمْ وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يَكُونُوا خَلْفَ الرُّومِ أَوْ التُّرْكِ أَوْ الْخَزَرِ أُمَّةً لَا نَعْرِفُهُمْ فَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ وَدَاهُ إنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا أَوْ يَهُودِيًّا دِيَةَ نَصْرَانِيٍّ أَوْ يَهُودِيٍّ وَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا أَوْ مَجُوسِيًّا دِيَةَ الْمَجُوسِيِّ وَإِنَّمَا تَرَكْنَا قَتْلَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ بِالْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِمَّنْ يُقَاتِلُ فَإِنْ قَاتَلَ النِّسَاءَ أَوْ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ لَمْ يَتَوَقَّ ضَرْبَهُمْ بِالسِّلَاحِ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَوَقَّ مِنْ الْمُسْلِمِ إذَا أَرَادَ دَمَ الْمُسْلِمِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ نِسَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ مِنْهُمْ أَوْلَى أَنْ لَا يَتَوَقَّى وَكَانُوا قَدْ زَايَلُوا الْحَالَ الَّتِي نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ فِيهَا وَإِذَا أُسِرُوا أَوْ هَرَبُوا أَوْ جُرِحُوا وَكَانُوا مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ فَلَا يُقْتَلُونَ لِأَنَّهُمْ قَدْ زَايَلُوا الْحَالَ الَّتِي أُبِيحَتْ فِيهَا دِمَاؤُهُمْ وَعَادُوا إلَى أَصْلِ حُكْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَمْنُوعِينَ بِأَنْ يَقْصِدَ قَصْدَهُمْ بِالْقَتْلِ وَيَتْرُكَ قَتْلَ الرُّهْبَانِ وَسَوَاءٌ رُهْبَانُ الصَّوَامِعِ وَرُهْبَانُ الدِّيَارَاتِ وَالصَّحَارِي وَكُلُّ مَنْ يَحْبِسُ نَفْسَهُ بِالتَّرَهُّبِ تَرَكْنَا قَتْلَهُ اتِّبَاعًا لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله تعالى عنه وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَ لَنَا أَنْ نَدَعَ قَتْلَ الرِّجَالِ الْمُقَاتِلِينَ بَعْدَ الْمَقْدِرَةِ وَقَتْلَ الرِّجَالِ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ لَمْ نَكُنْ آثِمِينَ بِتَرْكِ الرُّهْبَانِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا تَبَعًا لَا قِيَاسًا وَلَوْ أَنَّا زَعَمْنَا أَنَّا تَرَكْنَا قَتْلَ الرُّهْبَانِ لِأَنَّهُمْ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يُقَاتِلُ تَرَكْنَا قَتْلَ الْمَرْضَى حِينَ نُغِيرُ عَلَيْهِمْ وَالرُّهْبَانَ وَأَهْلَ الْجُبْنَ وَالْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ وَأَهْلَ الصِّنَاعَاتِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ مَنْ لَا قِتَالَ مِنْهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ؟ قِيلَ قَتَلَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ وَهُوَ فِي شِجَارٍ مَطْرُوحٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُثْبِتَ جَالِسًا وَكَانَ قَدْ بَلَغَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ فَلَمْ يَعِبْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتْلَهُ وَلَمْ أَعْلَمْ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَابَ أَنْ نَقْتُلَ مِنْ رِجَالِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ عَدَا الرُّهْبَانَ وَلَوْ جَازَ أَنْ يُعَابَ قَتْلُ مَنْ عَدَا الرُّهْبَانَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ لَمْ يُقْتَلْ الْأَسِيرُ وَلَا الْجَرِيحُ الْمُثْبَتُ وَقَدْ ذُفِّفَ عَلَى الْجَرْحَى بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ ذَفَّفَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي تَرْكِ قَتْلِ الرَّاهِبِ حُجَّةٌ إلَّا مَا وَصَفْنَا غَنِمْنَا كُلَّ مَالٍ لَهُ فِي صَوْمَعَتِهِ وَغَيْرِ صَوْمَعَتِهِ وَلَمْ نَدَعْ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا لِأَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي أَنْ يُتْرَكَ ذَلِكَ لَهُ فَيُتْبَعَ، وَتُسْبَى أَوْلَادُ الرُّهْبَانِ وَنِسَاؤُهُمْ إنْ كَانُوا غَيْرَ مُتَرَهَّبِينَ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَبَاحَ أَمْوَالَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ لَا تَمْنَعُ مَالَهُ؟ قِيلَ كَمَا لَا أَمْنَعُ مَالَ الْمَوْلُودِ وَالْمَرْأَةِ وَأَمْنَعُ دِمَاءَهُمَا وَأُحِبُّ لَوْ تَرَهَّبَ النِّسَاءُ تَرْكَهُنَّ كَمَا أَتْرُكُ الرِّجَالَ فَإِنْ تَرَهَّبَ عَبْدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أَمَةٌ سَبَيْتهمَا مِنْ قِبَلِ أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ أَسْلَمَ قَضَيْت لَهُ أَنْ يَسْتَرِقَّهُمَا وَيَمْنَعَهُمَا التَّرَهُّبَ لِأَنَّ الْمَمَالِيكَ لَا يَمْلِكُونَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَا يَمْلِكُ الْأَحْرَارُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَمَالِيكِ وَالْأَحْرَارِ. قِيلَ لَا يُمْنَعُ حُرٌّ مِنْ غَزْوٍ وَلَا حَجٍّ وَلَا تَشَاغُلٍ بِبِرٍّ عَنْ صَنْعَتِهِ بَلْ يُحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَكُونُ الْحَجُّ وَالْغَزْوُ لَازِمِينَ لَهُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ وَلِمَالِكِ الْعَبْدِ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ يَلْزَمُ الْعَبْدَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ.
بَابُ مَا يَحْرُمُ بِهِ الدَّمُ مِنْ الإسلام