(قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ {أَنَّ رَجُلًا سَارَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ نَدْرِ مَا سَارَّهُ بِهِ حَتَّى جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا هُوَ يَسْتَاذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ؟ قَالَ بَلَى. وَلَا شَهَادَةَ لَهُ. قَالَ: أَلَيْسَ يُصَلِّي؟ قَالَ بَلَى وَلَا صَلَاةَ لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ}
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْتَاذِنَ فِي قَتْلِ الْمُنَافِقِ إذَا أَظْهَرَ الإسلام أَنَّ اللَّهَ نَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّ الْإِيمَانَ جُنَّةٌ وَمُوَافِقٌ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَحُكْمَ أَهْلِ الدُّنْيَا. وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ} .
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله: وَهَذَا مُوَافِقٌ مَا كَتَبْنَا قَبْلَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيَّنَ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْكُمُ عَلَى مَا ظَهَرَ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَلِيُّ مَا غَابَ لِأَنَّهُ عَالِمٌ بِقَوْلِهِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا ذَكَرْنَا وَفِي غَيْرِهِ فَقَالَ {مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} وَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه لِرَجُلٍ كَانَ يَعْرِفُهُ بِمَا شَاءَ اللَّهُ فِي دِينِهِ"أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟"قَالَ نَعَمْ قَالَ"إنِّي لِأَحْسِبك مُتَعَوِّذًا"قَالَ أَمَّا فِي الْإِيمَانِ مَا أَعَاذَنِي؟ فَقَالَ عُمَرُ بَلَى {وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَجُلٍ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَخَرَجَ أَحَدُهُمْ مَعَهُ حَتَّى أَثْخَنَ الَّذِي قَالَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَآذَتْهُ الْجِرَاحُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ} . وَلَمْ يَمْنَعْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ مِنْ نِفَاقِهِ وَعُلِمَ إنْ كَانَ عَلِمَهُ مِنْ اللَّهِ فِيهِ مِنْ أَنْ حَقَنَ دَمَهُ بِإِظْهَارِ الْإِيمَانِ.
قِتَالُ أَهْلِ الْبَغْيِ بَابُ مَنْ يَجِبُ قِتَالُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَالسِّيرَةِ فِيهِمْ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى جَدُّهُ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمْ بِالْعَدْلِ وَلَمْ يَذْكُرْ تِبَاعَةً فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الصُّلْحَ آخِرًا كَمَا ذَكَرَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمْ أَوَّلًا قَبْلَ الْإِذْنِ بِقِتَالِهِمْ؛ فَأَشْبَهَ هَذَا أَنْ تَكُونَ التَّبِعَاتُ فِي الدِّمَاءِ وَالْجِرَاحِ وَمَا تَلِفَ مِنْ الْأَمْوَالِ سَاقِطَةً بَيْنَهُمْ، وَكَمَا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عِنْدَنَا قَدْ كَانَتْ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ دِمَاءٌ يُعْرَفُ فِي بَعْضِهَا الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ وَأُتْلِفَتْ فِيهَا أَمْوَالٌ ثُمَّ صَارَ النَّاسُ إلَى أَنْ سَكَنَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَجَرَى الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ فَمَا عَلِمْته اُقْتُصَّ مِنْ أَحَدٍ وَلَا أُغْرِمَ مَالًا أَتْلَفَهُ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ) رحمه الله: وَمَا عَلِمْت النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ مَا حَوَوْا فِي الْبَغْيِ مِنْ مَالٍ فَوُجِدَ بِعَيْنِهِ أَنَّ صَاحِبَهُ أَحَقُّ بِهِ.
(قَالَ) وَأَهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ضَرْبَانِ فَمِنْهُمْ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ مِثْلُ طُلَيْحَةَ وَمُسَيْلِمَةَ وَالْعَنْسِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ وَمِنْهُمْ قَوْمٌ تَمَسَّكُوا بِالإسلام وَمَنَعُوا الصَّدَقَاتِ وَلَهُمْ لِسَانٌ عَرَبِيٌّ وَالرِّدَّةُ ارْتِدَادٌ عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ وَارْتِدَادٌ بِمَنْعِ حَقٍّ كَانُوا عَلَيْهِ، وَقَوْلُ عُمَرَ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَلَيْسَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا