الْفَرْقِ بَيْنَ الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ فَالسَّرِيَّةُ عَدَدٌ قَلِيلٌ يَسِيرُونَ بِاللَّيْلِ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ وَالْجَيْشُ هُوَ الْجَمْعُ الْعَظِيمُ الَّذِي يَجِيشُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ صلى الله عليه وسلم {: خَيْرُ الْأَصْحَابِ أَرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَر أَلْفًا عَنْ قِلَّةٍ إذَا كَانَتْ كَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةً} وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَخُصَّ صَاحِبَ الْجَيْشِ وَالسَّرِيَّةِ بِالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ يَجْعَلُهُمْ تَحْتَ أَمْرِهِ وَوِلَايَتِهِ فَيُوصِيهِ بِهِمْ وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالْوَصِيَّةِ بَيَانٌ أَنَّ عَلَيْهِمْ طَاعَتَهُ فَلَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الْإِمَارَةِ إلَّا بِذَلِكَ وَقَدْ أَوْصَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ رحمه الله حِينَ وَجَّهَهُ إلَى الشَّامِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ذَكَرَهُ فِي السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَإِنَّمَا يُوصِيهِ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ بِالتَّقْوَى يَنَالُ النُّصْرَةَ وَالْمَدَدَ مِنْ السَّمَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {بَلَى إنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَاتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ} وَبِالتَّقْوَى يَجْتَمِعُ لِلْمَرْءِ مَصَالِحُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ قَالَ صلى الله عليه وسلم {: مَلَاكُ دِينِكُمْ الْوَرِعُ} وَقَالَ {: التَّقِيُّ مُلْجَمٌ} وَقِيلَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ أَنَّهُ كَانَ يُوصِيهِ سِرًّا حَتَّى لَا يَقِفَ عَلَى جَمِيعِ مَا يُوصِيهِ بِهِ غَيْرُهُ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ يُوصِيهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ أَوَّلًا ثُمَّ يُوصِيهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا قَالَ صلى الله عليه وسلم {: ابْدَا بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ} وَنَفْسُهُ إلَيْهِ أَقْرَبُ فَكَأَنَّهُ كَانَ يُوصِيهِ بِحِفْظِ نَفْسِهِ مِنْ الْمَهَالِكِ وَحِفْظِ مَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَرْضَى لَهُمْ إلَّا بِمَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ وَلَا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ فَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّأَلُّفُ وَانْقِيَادُهُمْ لَهُ ثُمَّ قَالَ {: اُغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ} أَيْ: اُخْرُجُوا وَاقْصِدُوا، وَالْغَزْوُ: الْقَصْدُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَوْ كَانُوا غُزًّى} وَبَيَّنَ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْصِدُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم {كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَا فِيهِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ أَقْطَعُ} قَالَ {: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} أَيْ لِيَكُنْ خُرُوجُكُمْ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا لِطَلَبِ الْمَالِ فَالْمُجَاهِدُ يَبْذُلُ نَفْسَهُ وَمَالَهُ فَإِنَّمَا يَرْبَحُ عَلَى عَمَلِهِ إذَا قَصَدَ بِهِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا إذَا كَانَ قَصْدُهُ تَحْصِيلَ الْمَالِ فَهُوَ كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ. ثُمَّ قَالَ {: قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ} فِيهِ دَلِيلُ فَرْضِيَّةِ الْقِتَالِ وَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ لِدَفْعِ فِتْنَةِ الْكُفْرِ وَدَفْعِ شَرِّ الْكُفَّارِ وَهَذَا عَامٌّ لَحِقَهُ خُصُوصٌ فَالْمُرَادُ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مِنْ الْمُقَاتِلِينَ أَلَا تَرَى {أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم حِينَ رَأَى امْرَأَةً مَقْتُولَةً يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اسْتَعْظَمَ ذَلِكَ وَقَالَ: هَاهْ مَا كَانَتْ هَذِهِ تُقَاتِلُ} وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ {وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا} ثُمَّ قَالَ {وَلَا تَغُلُّوا} وَالْغُلُولُ السَّرِقَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَهُوَ حَرَامٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَغْلُلْ يَاتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قِيلَ فِي التَّفْسِيرِ: يُجْعَلُ ذَلِكَ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ وَيُؤْمَرُ بِإِخْرَاجِهِ وَكُلُّ مَا انْتَهَى إلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ يَرْجِعُ فِي قَعْرِهَا وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {: الْغُلُولُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ} {وَالْأَسْوَدُ الَّذِي كَانَ يُرْحِلُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرِبٌ فَمَاتَ قَالَ الصَّحَابَةُ رضي الله تعالى عنهم: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: كَلًّا فَإِنَّ الْعَبَاءَةَ الَّتِي غَلَّهَا مِنْ الْمَغْنَمِ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} وَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ {: رُدُّوا الْخَيْطَ وَالْمِخْيَطَ فَالْغُلُولُ عَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} قَالَ {: وَلَا تَغْدِرُوا} وَالْغَدْرُ الْخِيَانَةُ وَنَقْضُ الْعَهْدِ وَهُوَ حَرَامٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {: فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} وَقَالَ صلى الله عليه وسلم {: لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يُرْكَزُ عِنْدَ بَابِ اسْتِهِ يُعْرَفُ بِهِ غَدْرَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} {وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَكْتُبُ فِي الْعُهُودِ وَفَاءٌ لَا غَدْرَ فِيهِ} قَالَ {: وَلَا تُمَثِّلُوا} وَالْمُثْلَةُ حَرَامٌ كَمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ: مَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِينَا خَطِيبًا بَعْدَ مَا مَثَّلَ بِالْعُرَنِيِّينَ إلَّا وَيَحُثُّنَا