فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 677

وَسَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَوْ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ صَارَتْ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ السَّيْفِ، وَغَيْرِهَا مِنْ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَلَا بَاسَ بِالْإِغَارَةِ وَالْبَيَاتِ عَلَيْهِمْ، وَلَا بَاسَ بِقَطْعِ أَشْجَارِهِمْ الْمُثْمِرَةِ، وَغَيْرِ الْمُثْمِرَةِ، وَإِفْسَادِ زُرُوعِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} أَذِنَ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - بِقَطْعِ النَّخِيلِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ، وَنَبَّهَ فِي آخِرِهَا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ كَبْتًا وَغَيْظًا لِلْعَدُوِّ بِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} . وَلَا بَاسَ بِإِحْرَاقِ حُصُونِهِمْ بِالنَّارِ، وَإِغْرَاقِهَا بِالْمَاءِ، وَتَخْرِيبِهَا وَهَدْمِهَا عَلَيْهِمْ، وَنَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهَا؛ لِقَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} وَلِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْقِتَالِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَهْرِ الْعَدُوِّ وَكَبْتِهِمْ وَغَيْظِهِمْ، وَلِأَنَّ حُرْمَةَ الْأَمْوَالِ؛ لِحُرْمَةِ أَرْبَابِهَا، وَلَا حُرْمَةَ لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يُقْتَلُونَ، فَكَيْفَ لِأَمْوَالِهِمْ؟ وَلَا بَاسَ بِرَمْيِهِمْ بِالنِّبَالِ، وَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمِينَ مِنْ الْأَسَارَى وَالتُّجَّارِ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرُورَةِ، إذْ حُصُونُ الْكَفَرَةِ قَلَّمَا تَخْلُو مِنْ مُسْلِمٍ أَسِيرٍ، أَوْ تَاجِرٍ فَاعْتِبَارُهُ يُؤَدِّي إلَى انْسِدَادِ بَابِ الْجِهَادِ، وَلَكِنْ يَقْصِدُونِ بِذَلِكَ الْكَفَرَةَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ فِي الْقَصْدِ إلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ. وَكَذَا إذَا تَتَرَّسُوا بِأَطْفَالِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا بَاسَ بِالرَّمْيِ إلَيْهِمْ؛ لِضَرُورَةِ إقَامَةِ الْفَرْضِ، لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ الْكُفَّارَ دُونَ الْأَطْفَالِ، فَإِنْ رَمَوْهُمْ فَأَصَابَ مُسْلِمًا فَلَا دِيَةَ وَلَا كَفَّارَةَ وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ - رحمه الله: تَجِبُ الدِّيَةُ، وَالْكَفَّارَةُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رحمه الله. (وَجْهُ) قَوْلِ الْحَسَنِ أَنَّ دَمَ الْمُسْلِمِ مَعْصُومٌ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الرَّمْيِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُمْنَعْ لِضَرُورَةِ إقَامَةِ الْفَرْضِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ وَالضَّرُورَةُ فِي رَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ لَا فِي نَفْيِ الضَّمَانِ، كَتَنَاوُلِ مَاءِ الْغَيْرِ حَالَةَ الْمَخْمَصَةِ إنَّهُ رَخَّصَ لَهُ التَّنَاوُلَ لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ لِمَا ذَكَرنَا، كَذَلِكَ هَاهُنَا. (وَلَنَا) أَنَّهُ كَمَا مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى دَفْعِ الْمُؤَاخَذَةِ لِإِقَامَةِ فَرْضِ الْقِتَالِ، مَسَّتْ الضَّرُورَةُ إلَى نَفْيِ الضَّمَانِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ يَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الضَّمَانِ، وَإِيجَابِ مَا يَمْنَعُ مِنْ إقَامَةِ الْوَاجِبِ مُتَنَاقِضٌ، وَفَرْضُ الْقِتَالِ لَمْ يَسْقُطْ، دَلَّ أَنَّ الضَّمَانَ سَاقِطٌ بِخِلَافِ حَالَةِ الْمَخْمَصَةِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الضَّمَانِ هُنَاكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّنَاوُلِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْ لَهَلَكَ، وَكَذَا حَصَلَ لَهُ مِثْلُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ التَّنَاوُلِ، فَلَا يُؤَدِّي إلَى التَّنَاقُضِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِالْكُفَّارِ عَلَى قِتَالِ الْكُفَّارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ غَدْرُهُمْ، إذْ الْعَدَاوَةُ الدِّينِيَّةُ تَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، إلَّا إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِمْ وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ.

وَأَمَّا أَحْكَامُ الْإِيمَانِ فَنَقُولُ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ لِلْإِيمَانِ - حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ إلَى الْآخِرَةِ، وَالثَّانِي يَرْجِعُ إلَى الدُّنْيَا، أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْآخِرَةِ فَكَيْنُونَةُ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إذَا خَتَمَ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الدُّنْيَا فَعِصْمَةُ النَّفْسِ وَالْمَالِ؛ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} إلَّا أَنَّ عِصْمَةَ النَّفْسِ تَثْبُتُ مَقْصُودَةً، وَعِصْمَةُ الْمَالِ تَثْبُتُ تَابِعَةً لِعِصْمَةِ النَّفْسِ، إذْ النَّفْسُ أَصْلٌ فِي التَّخَلُّقِ، وَالْمَالُ خُلِقَ بَذْلُهُ لِلنَّفْسِ اسْتِبْقَاءً لَهَا، فَمَتَى ثَبَتَتْ عِصْمَةُ النَّفْسِ ثَبَتَتْ عِصْمَةُ الْمَالِ، تَبَعًا إلَّا إذَا وُجِدَ الْقَاطِعُ لِلتَّبَعِيَّةِ عَلَى مَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت