فهرس الكتاب

الصفحة 407 من 677

الإسلام فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِظَاهِرِهِ، وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُهُمْ عَلَى كَافِرٍ يَعْتَرِفُ بِأَصْلِ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا عليه الصلاة والسلام كَقَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ يَقُولُونَ إنَّهُ مُرْسَلٌ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً فَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ فِي حَقِّهِمْ مِنْ الْبَرَاءَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ.

(الرَّابِعَةُ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ الْكَرَّامِيَّةُ، وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُعْتَبَرْ سِوَى ذَلِكَ، وَجَوَابُ الْجَمَاعَةِ عَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَهُ بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ، وَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ. وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ فَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِي الْبَاطِنِ مُسْلِمًا بِدُونِهِ، وَلَوْ اعْتَرَفَ لَنَا بِاعْتِقَادِهِ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ، وَمِنْ أَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى إكْفَارِ الْمُنَافِقِينَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ} إلَى قَوْلِهِ {وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ} ، وَمِمَّا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الصَّحِيحِ حَتَّى يَشْهَدُوا، وَالشَّهَادَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ لِلِّسَانِ بِدَلِيلِ تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ (نَشْهَدُ إنَّك لِرَسُولِ اللَّهِ) .

(الْخَامِسَةُ) فِيهِ حُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الإسلام وَأَسَرَّ الْكُفْرَ يُقْبَلُ إسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا الْخَطَّابِيُّ إلَى أَنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ، وَهُوَ الَّذِي يُنْكِرُ الشَّرْعَ جُمْلَةً لَا تُقْبَلُ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ تَابَ مَرَّةً وَاحِدَةً قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَسْلَمَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ، وَإِلَّا قُبِلَ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ قَبُولُهَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ.

(السَّادِسَةُ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَرِيحٌ فِي قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْجَاحِدِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ. وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا فَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَأَمَّا تَارِكُ الزَّكَاةِ بُخْلًا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا فَإِنْ امْتَنَعَ بِالْقِتَالِ قُوتِلَ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لقوله تعالى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} وَلِهَذَا بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُوَافَقَتِهِ لَهَا، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى {فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} وَحُكِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَامَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَرَائِضَ أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا فَلَا يُخَلَّى سَبِيلُهُ، وَلَيْسَ بِأَخٍ فِي الدِّينِ، وَلَا يُعْصَمُ دَمُهُ وَمَالُهُ قَالَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا} . (السَّابِعَةُ) فِيهِ أَنَّ الإسلام يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْعِرْضُ، وَبِهَذَا خَطَبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ {إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ} ، وَقَوْلُهُ (إلَّا بِحَقِّهَا) أَيْ بِحَقِّ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ بِأَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفْسَ لِكَوْنِهَا قَتَلَتْ مُكَافِئًا لَهَا عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ الْمَالَ بِطَرِيقٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ حِينَئِذٍ مَا اسْتَحَقَّ، وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْعِصْمَةِ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إلَّا بِحَقِّ الإسلام لِأَنَّهُ مُقْتَضَاهُ وَمُوجِبُهُ، وَتَارَةً إلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ لِتَعَلُّقِهِ بِهَا. (الثَّامِنَةُ) قَوْلُهُ (وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) أَيْ فِيمَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ، وَيُخْفُونَهُ دُونَ مَا يُخَلَّوْنَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت