159 -وَذَكَرَ عَنْ مَكْحُولٍ رحمه الله أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ (46 آ) : حَدِيثٌ كُنْت أَكْتُمْكُمُوهُ، لَوْلَا مَا حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ بِهِ، أَيْ لَوْلَا مَا أَخَافُ مِنْ وَعِيدِ كِتْمَانِ الْعِلْمِ، عَلَى مَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ كَتَمَ عِلْمًا عِنْدَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ} . وَقَالَ تَعَالَى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {: لَا تُكَفِّرُوا أَهْلَ مِلَّتِكُمْ وَإِنْ عَمِلُوا الْكَبَائِرَ، الصَّلَاةَ مَعَ كُلِّ إمَامٍ، الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ، الْجِهَادَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ} . وَهُوَ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفَّرُ بِارْتِكَابِهِ الْكَبَائِرَ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِيمَانِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} . وَلَا شَكَّ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبَائِرَ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ مَنْ دَعَاهُمْ اللَّهُ إلَى التَّوْبَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ. وَهُوَ دَلِيلُنَا عَلَى مَالِكٍ فِي جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ بِالْفَاسِقِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ:"مَعَ كُلِّ إمَامٍ"، أَيْ فَاسِقًا كَانَ أَوْ عَدْلًا. كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: {صَلُّوا خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ} . وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مَيِّتٍ، أَيْ فَاسِقًا كَانَ أَوْ عَدْلًا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا غَيْرَ بَاغٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:"الْجِهَادَ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ"، أَيْ عَادِلًا كَانَ أَوْ جَائِرًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْجِهَادِ مَعَهُ، وَبِجَوْرِ الْأَمِيرِ لَا يَنْقَطِعُ طَمَعُ الْغُزَاةِ فِي النُّصْرَةِ. جَاءَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَمَرْفُوعًا: {إنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ} . قَالَ مَكْحُولٌ: وَخَصْلَتَانِ مِنْ رَايِي لَمْ أَسْمَعْ فِيهِمَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْئًا: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لَا تَذْكُرُوهُمَا إلَّا بِخَيْرٍ. {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ، لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ، وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْلَمُونَ} . وَالْحَدِيثُ فِي الْكَفِّ عَنْ الصَّحَابَةِ إلَّا بِخَيْرٍ، مَشْهُورٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. قَالَ صلى الله عليه وسلم: {اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي} . وَخَصَّ مَكْحُولٌ الْخَتَنَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الشَّامِ فِيهِمَا مَا يَكْرَهُهُ، فَلِهَذَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ فِي وَصِيَّتِهِ. ثُمَّ سَمَّى عَلِيًّا أَوَّلًا، وَهَكَذَا فِيمَا رَوَاهُ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رضي الله عنه فَإِنَّهُ قَالَ: سَأَلْته عَنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَقَالَ: أَنْ تُفَضِّلَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَتُحِبَّ عَلِيًّا وَعُثْمَانَ، وَتَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَا تُكَفِّرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَلَا تَنْطِقَ فِي اللَّهِ بِشَيْءٍ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: قَبْلَ الْخِلَافَةِ كَانَ عَلِيٌّ مُقَدَّمًا عَلَى عُثْمَانَ، وَبَعْدَ الْخِلَافَةِ عُثْمَانُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ، فَأَمَّا الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ رضوان الله عليهما، قَبْلَ الْخِلَافَةِ وَبَعْدَهَا. كَمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {أَبُو بَكْرٍ خَلِيفَتِي بَعْدِي فِي أُمَّتِي، وَعُمَرُ حَبِيبِي، وَعُثْمَانُ مِنِّي، وَعَلِيٌّ أَخِي وَصَاحِبُ لِوَائِي} . فَنُفَضِّلُهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَلَمْ يُرِدْ أَبُو حَنِيفَةَ رضي الله عنه (46 ب) بِمَا ذَكَرَ تَقْدِيمَ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَلَكِنَّ مُرَادَهُ أَنَّ مَحَبَّتَهُمَا مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَالْوَاوُ عِنْدَهُ لَا يُوجِبُ التَّرْتِيبَ. وَإِنَّمَا ذَكَرَ مَكْحُولٌ عَلِيًّا رضي الله عنه أَوَّلًا لِأَنَّهُ كَانَ إمَامَ أَهْلِ الشَّامِ. وَأَهْلُ الشَّامِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَقَعُ بَعْضُهُمْ فِي عَلِيٍّ رضي الله عنه فَلِهَذَا قَدَّمَهُ فِي الذِّكْرِ حَتَّى يَزْجُرَهُمْ عَنْ ذَلِكَ. 160 - وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْت لِابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: مَا تَقُولُ فِي الْغَزْوِ، فَقَدْ صَنَعَ الْأُمَرَاءُ مَا قَدْ رَأَيْت. قَالَ: أَرَى أَنْ تَغْزُوَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْك مِمَّا أَحْدَثُوا شَيْءٌ. يَعْنِي مَا أَحْدَثُوا مِمَّا تَكْرَهُهُ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا وُلِّيَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: إنْ يَكُنْ خَيْرًا شَكَرْنَا، وَإِنْ يَكُنْ بَلَاءً صَبَرْنَا، ثُمَّ قَرَأَ قوله تعالى: فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا