ذَلِكَ عَلَى الدَّوَامِ بِخِلَافِ مَا لَوْ دَعَيَاهُ لِأَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَجَبَتْ طَاعَتُهُمَا وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ.
قَالَ: (الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم {نَادَتْ امْرَأَةٌ ابْنَهَا وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ} إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ) قُلْتُ: جَمِيعُ مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْلٍ وَغَيْرِهِ صَحِيحٌ غَيْرَ قَوْلِهِ وَإِذَا قَدَّمَ خِدْمَتَهَا عَلَى فَرَوْضِ الْكِفَايَاتِ فَعَلَى النَّقْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنَّهُ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ فِي النَّفْلِ أَوْلَى لِأَنَّ تَرْكَهُ فَرْضَ الْكِفَايَةِ مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ لَا تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةٌ وَتَرْكَ النَّفْلِ تَفُوتُ بِهِ مَصْلَحَةُ ذَلِكَ النَّفْلِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مَصْلَحَةَ النَّفْلِ إنَّمَا هِيَ مُجَرَّدُ الثَّوَابِ وَكَذَلِكَ مَصْلَحَةُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ زَائِدٌ فِي الْعَدَدِ عَلَى مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الْفَرْضِ لَكِنَّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ أَعْظَمُ فَتَتَحَقَّقُ الْأَوْلَوِيَّةُ.
(الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ) قوله تعالى {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ أَصْلِ الْعُقُوقِ فَإِنَّهُ إذَا حَرُمَ هَذَا الْقَوْلُ حَرُمَ مَا فَوْقَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وقوله تعالى {وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا} يَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ أَحَدُهَا مُخَالَفَتُهُمَا فِي الْوَاجِبَاتِ وَالثَّانِي وُجُوبُ بِرِّهِمَا وَحُرْمَةُ عُقُوقِهِمَا وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَامُرُ بِالشِّرْكِ إلَّا كَافِرٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَرَّحَتْ الْآيَةُ بِوُجُوبِ بِرِّهِمَا وَالثَّالِثُ أَنَّ مُخَالَفَةَ أَمْرِهِمَا بِالْمَعَاصِي وَاجِبَةٌ وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عليه الصلاة والسلام {لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ} .
(الْفَرْقُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُبَاحُ فِي عِشْرَةِ النَّاسِ مِنْ الْمُكَارَمَةِ وَقَاعِدَةِ مَا يُنْهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي يُبَاحُ مِنْ إكْرَامِ النَّاسِ قِسْمَانِ (الْقِسْمُ الْأَوَّلُ) : مَا وَرَدَتْ بِهِ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ مِنْ إفْشَاءِ السَّلَامِ وَإِطْعَامِ الطَّعَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَالْمُصَافَحَةِ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَالِاسْتِئْذَانِ عِنْدَ الدُّخُولِ، وَأَنْ لَا يَجْلِسَ عَلَى تَكْرِمَةِ أَحَدٍ إلَّا بِإِذْنِهِ أَيْ عَلَى فِرَاشِهِ، وَلَا يَؤُمَّ فِي مَنْزِلِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ أَحَدًا فِي سُلْطَانِهِ وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ} وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ (الْقِسْمُ الثَّانِي) مَا لَمْ يَرِدْ فِي النُّصُوصِ وَلَا كَانَ فِي السَّلَفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ أَسْبَابُ اعْتِبَارِهِ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ وَتَجَدَّدَتْ فِي عَصْرِنَا فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُ لِتَجَدُّدِ أَسْبَابِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْعٌ مُسْتَانَفٌ بَلْ عُلِمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْبَابَ لَوْ وُجِدَتْ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ لَكَانَتْ هَذِهِ الْمُسَبِّبَاتُ مِنْ فِعْلِهِمْ وَصُنْعِهِمْ وَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِتَأَخُّرِ سَبَبِهِ وَوُقُوعُهُ عِنْدَ وُقُوعِ سَبَبِهِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ تَجْدِيدَ شَرْعٍ وَلَا عَدَمَهُ كَمَا لَوْ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - حُكْمًا فِي اللِّوَاطِ مِنْ رَجْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُوبَاتِ فَلَمْ يُوجَدْ اللِّوَاطُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَوُجِدَ فِي زَمَنِنَا اللِّوَاطُ فَرَتَّبْنَا عَلَيْهِ تِلْكَ الْعُقُوبَةَ لَمْ نَكُنْ مُجَدِّدِينَ لِشَرْعٍ بَلْ مُتَّبِعِينَ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرْعِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ نَعْلَمَ ذَلِكَ بِنَصٍّ أَوْ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ مَا فِي زَمَانِنَا مِنْ الْقِيَامِ لِلدَّاخِلِ مِنْ الْأَعْيَانِ وَإِحْنَاءِ الرَّاسِ لَهُ إنْ عَظُمَ قَدْرُهُ جِدًّا وَالْمُخَاطَبَةُ بِجَمَالِ الدِّينِ وَنُورِ الدِّينِ وَعِزِّ الدِّينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ النُّعُوتِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْ الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَالْمُكَاتَبَاتِ بِالنُّعُوتِ أَيْضًا كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِهِ وَتَسْطِيرِ اسْمِ الْإِنْسَانِ بِالْمَمْلُوكِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ الْمَكْتُوبِ إلَيْهِ بِالْمَجْلِسِ الْعَالِي وَالسَّامِي وَالْجَنَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ الْعُرْفِيَّةِ وَالْمُكَاتَبَاتِ الْعَادِيَّةِ وَمِنْ ذَلِكَ تَرْتِيبُ النَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ وَالْمُبَالَغَةُ فِي ذَلِكَ، وَأَنْوَاعُ الْمُخَاطَبَاتِ