فهرس الكتاب

الصفحة 497 من 677

عبودية لغير الله، تستذل إنسانية الإنسان وكرامته. وتخرج لحماية حرمات الناس وكراماتهم وحرياتهم، لا للاستعلاء على الناس واستعبادهم والتبطر بنعمة القوة باستخدامها هذا الإستخدام المنكر. وتخرج متجردة من حظ نفسها في المعركة جملة، فلا يكون لها من النصر والغلب إلا تحقيق طاعة الله في تلبية أمره بالجهاد؛ وفي إقامة منهجه في الحياة؛ وفي إعلاء كلمته في الأرض؛ وفي التماس فضله بعد ذلك ورضاه.. حتى الغنائم التي تخلفها المعركة فهي من فضل الله..

ولقد كانت صورة الخروج بطرًا ورئاء الناس وصدا عن سبيل الله حاضرة أمام العصبة المسلمة؛ يرونها في خروج قريش بالصورة التي خرجت بها؛ كما كانت صورة العاقبة لهذا الخروج حاضرة فيما أصاب قريشًا التي خرجت في ذلك اليوم بفخرها وعزها وكبريائها تحاد الله ورسوله: وعادت في آخر اليوم بالذل والخيبة والانكسار والهزيمة.. وكان الله سبحانه يذكر العصبة المسلمة بشيء حاضر له وقعه وله إيحاؤه:

ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله. والله بما يعملون محيط..

والبطر والمراءاة والصد عن سبيل الله تتجلى كلها في قولة أبي جهل، وقد جاءه رسول أبي سفيان - بعد أن ساحل بالعير فنجت من رصد المسلمين - يطلب إليه الرجوع بالنفير، إذ لم تعد بهم حاجة لقتال محمد وأصحابه. وكانت قريش قد خرجت بالقيان والدفوف يغنون وينحرون الجزر على مراحل الطريق. فقال أبو جهل:"لا والله لا نرجع حتى نرد بدرًا، فنقيم ثلاثًا، ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، وتعزف القيان علينا، فلن تزال العرب تهابنا أبدًا".. فلما عاد الرسول إلى أبي سفيان برد أبي جهل قال:"واقوماه! هذا عمل عمرو بن هشام [يعني أبا جهل] كره أن يرجع، لأنه ترأس على الناس فبغى، والبغي منقصة وشؤم، إن أصاب محمد النفير ذللنا".. وصحت فراسة أبي سفيان، وأصاب محمد صلى الله عليه وسلم النفير؛ وذل المشركون بالبطر والبغي والرياء والصد عن سبيل الله؛ وكانت بدر قاصمة الظهر لهم:

والله بما يعملون محيط..

لا يفوته منهم شيء، ولا يعجزه من قوتهم شيء، وهو محيط بهم وبما يعملون.

ويمضي السياق يصور وسوسة الشيطان للمشركين وإغراءهم بهذا الخروج الذي نالهم منه ما نالهم من الذل والخيبة والخسار والانكسار:

وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم. فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب..

ولقد وردت في هذه الآية والحادث الذي تشير إليه عدة آثار؛ ليس من بينها حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما رواه مالك في الموطأ: حدثنا أحمد بن الفرج، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون، قال: حدثنا مالك، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما رئي إبليس يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ من يوم عرفة، وذلك مما يرى من تنزيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت